التحريض.. أسلوب العاجزين
من معاني التحريض في اللغة الحث على الشيء والإصرار على طلب تنفيذه، والمعنى السائد للتحريض هو الحث على الشر والانتقام والنيل من الآخر بالتحريض ضده، وبأدوات ومبررات هي في الأصل مختلقة، لأن الأدوات والمبررات الحقيقية الراسخة في اليقين لا تحتاج إلى محرض، فهي تملك مقومات الإقناع الذي ينتج الفعل الإيجابي، بينما التحريض لا ينتج غير فعل سلبي، يترك ما هو أكثر سلبية.وهناك من جبلوا على التحريض ضد غيرهم، وهم كغيرهم ممن ابتلاهم الله بأدواء جسدية أو نفسية ليختبر مدى إيمانهم، ومدى قدرتهم على الانتصار للخير، وإرغام النفس الأمارة بالسوء للتخلي عن أهوائها وشطحاتها الشيطانية، وهو اختبار يتجاوزه ذوو العزم من الرجال، الذي يملكون من قوة الإيمان ما يمنعهم من ارتكاب الخطيئة، وهم يحرضون على الخير، فليس كل تحريض يكون هدفه الشر، كما في قوله تعالي: (يا أَيها النبيُّ حَرِّض المؤمنين على القِتال) قال الزجاج: تأْويله حثّهم على القتال، وفي هذا المعنى قال الغشري:أسوأ أنواع التحريض هو ذلك المبني على قناعات تصل إلى حد الإيمان بالخطأ، والدفاع عنه بشراسة متناهية، في غياب الوعي بأهمية الحوار واحترام الرأي الآخر، والانغماس فيما هو ذاتي يجسده ذلك الطغيان الأرعنفيا بني زمني إني أحرِّضكمعلى الجهادِ وفي القرآنِ تحريضُوالتَّحْرِيض: التَّحْضِيض. قال الجوهري: التَّحْرِيضُ على القتال الحَثُّ والإِحْماءُ عليه. وتأْويل التَّحْرِيض في اللغة أَن تحُثَّ الإِنسان حَثّاً قال، ابن سيده: وحَرَّضَه حَضَّه.لكن هناك مع شديد الأسف من يسقطون في قبضة الشر، فيحرضون عليه، ويسوقون المبررات المختلقة لتلفيق التهم لمن يختلفون معه عقديا أو فكريا أو لأي أمر من أمور الدنيا، غير مهتمين بما قد يترتب على هذا التحريض من مفاسد، أولها الأذى الذي يتعرض له الأبرياء نتيجة هذا التحريض، وثانيها الانصراف عن عمل الخير، فمن يشغل نفسه بالشر لا يملك الوقت لعمل الخير، وثالثها هو إشغال المسئولين والقضاة عن النظر في مصالح المواطنين، فما يقتطعونه من وقتهم الوظيفي للنظر في فحوى التحريض، يمكن أن يستفيدوا منه في قضاء حاجات المواطنين وحل مشاكلهم.والتحريض بما يفوح به من روائح نتنة، إنما يعبر عن عقد نفسية متمكنة من بعض النفوس المريضة، المنغمسة في الشر، والتي يسوؤها نجاح الآخرين، ويغيظها تفوقهم، مع أن فرص النجاح متاحة للجميع، وكذلك أبواب التفوق مفتوحة للكل، والعوامل التي يمكن بها تحقيق النجاح والتفوق معروفة، وليس من بينها الانشغال بالتحريض ضد فلان أو علان من الناس، فقط هم المثابرون والمجتهدون والساعون إلى الخير والأقوياء بإيمانهم وعزائهم.. هم الذين يستطيعون تحقيق الآمال الكبيرة، وبلوغ الأهداف السامية.أسوأ أنواع التحريض هو ذلك المبني على قناعات تصل إلى حد الإيمان بالخطأ، والدفاع عنه بشراسة متناهية، في غياب الوعي بأهمية الحوار واحترام الرأي الآخر، والانغماس فيما هو ذاتي يجسده ذلك الطغيان الأرعن الذي يحمل عنوان: (أنا وبعدي الطوفان) وهذه ظاهرة تبتلى بها الشعوب التي تسعى للرقي والانفتاح على كل الحضارات، مع الحفاظ على هويتها، والاعتزاز بثقافتها، في سعيها لأي نوع من الإصلاح، لكنها تجد من أفرادها من يقف في وجه هذا الإصلاح، نتيجة عدم إيمانه بعمق ثقافة أمته، وأصالة تراثها، وقدرة موروثها الحضاري على التفاعل مع الثقافات الأخرى، والتأثير عليها والتأثر بها، غير مدرك أن التيار سيجرفه ويجرف معه كل ما هو هزيل ومتخلف من الفكر والثقافة وهذا التحريض ليس سوى معول هدم، ينتهي من حيث بدأ، ليكون البادئ به هو أول ضحاياه.