د. فالح العجمي

أنت تساوي ما تشــتري

كان للمؤرخ الشهير أندرياس فيرشينج، دراسة قام فيها بفحص ثقافة السلوك الاستهلاكي في أوروبا، خلال نهاية الثمانينات الميلادية من القرن العشرين وما قبلها، وقارن بينها وبين تلك الثقافة في العقدين الأخيرين، وخلص إلى أن ما يسمى «المواطن المستهلك» لم يعد هو ذلك العنصر المسكين المستغلّ (بفتح الغين)؛ بل أصبح فرداً واعياً، يتخذ قراراته الشرائية وفق أسلوبه الشخصي، بعيداً عن الخضوع السريع لوسائل الإعلان المختلفة، واستغلال الشركات وأصحاب المال لصيدهم من صغار المواطنين ضعيفي الحيلة ونحيفي المحفظة. فماذا عن تطورات ثقافة السلوك الاستهلاكي في شرقنا العربي؟ بالرغم من أن الثقافة الشرقية ترفع لفظياً من قيمة الإنسان؛ إلا أنها في الواقع لا تعطيه عملياً من حقه إلا النزر اليسير. فهي تمنح المتحكم في مفاصل القرار وفي مصادر الاقتصاد مساحة واسعة من الحركة، ومن كسب المزيد من القوة، ولو كان على حساب معايش الناس وكرامتهم ومشاعرهم الإنسانية.ربما كان وجود هذه السمة الثقافية، هو ما دعا بعض أصحاب الفطنة والهمة إلى تبني سياسة إجبار أصحاب الثراء على التنازل عن جزء من ثرواتهم، التي استقطعوها من عرق الضعفاء؛ إما طوعاً، كما هي الحال في بعض حالات الأقاليم التي تفرض إتاوات على القادرين تستخدم في دعم المعوزين، أو كرهاً، كما هي الحال في اتجاهات بعض الصعاليكومن المفارقات أن القوي في هذه الثقافة يُطلب منه أن يتفضل بمساعدة الضعاف، حتى وإن كان هو مصدر تعاستهم، وضعفهم بسبب استغلاله لهم. ثم يوضع في قائمة المحسنين، وينهال عليه الثناء من كل جانب. وقد أصبح هذا السلوك مدعاة لكثير من محبي الظهور الإعلامي إلى سلوك كل طريق لاغتصاب المال، ومن ثم الحصول على الشهرة من خلال التظاهر بإنفاق اليسير منه. ربما كان وجود هذه السمة الثقافية، هو ما دعا بعض أصحاب الفطنة والهمة إلى تبني سياسة إجبار أصحاب الثراء على التنازل عن جزء من ثرواتهم، التي استقطعوها من عرق الضعفاء؛ إما طوعاً، كما هي الحال في بعض حالات الأقاليم التي تفرض إتاوات على القادرين تستخدم في دعم المعوزين، أو كرهاً، كما هي الحال في اتجاهات بعض الصعاليك، الذين تمردوا على قيم المجتمعات المنافقة لأصحاب القوة والمال. وقد كان بعضهم ينهب المال من الأغنياء، ولا يعتدي مطلقاً على الفقير أو متوسط الحال، ويوزعه على الفقراء في شهامة منقطعة النظير في حياة المجتمعات القديمة. منهم عروة بن الورد، الذي اشتهر بالإغارة على أصحاب المال واقتطاع ما يستطيع أخذه منهم، ثم مشاركته لمن ليست لديهم القدرة على الحصول على ما يقتاتون عليه. وفي فترات من الفترة العباسية أيضاً وجد أولئك الأصناف ممن يتفانون في سبيل تحقيق العدالة. وهي الثقافية التي أصبحنا نعرفها من بعض من تميزوا بها في الغرب مثل روبنهود، وأخيراً الاقتصادي البنجلاديشي البارز الذي حاز على جائزة نوبل، والذي أسس بنكاً للفقراء، يخلصهم من ابتزاز البنوك وأصحاب المال الجشعين. أما إذا عدنا إلى ثقافة السلوك الاستهلاكي في العصر الحديث، فإن الوضع لم يتجاوز ذلك التناسب القديم؛ إذ يستهلك القادرون بلا حدود، وأكثر من مدى الحاجة أو حتى القدرة على الاستهلاك. وفي الوقت نفسه يشقى كثير من غيرهم، وفي جوارهم في بعض الأحيان، دون أن يحققوا مستوى الكفاف. ومع ذلك، فإن قطاعاً عريضاً من المجتمع يقدّر أولئك المسرفين في الاستهلاك، بل ويضع في أغلب حالاته المرء في موضع مساوٍ لما يستطيع إنفاقه؛ ليس على النشاطات الخيرية، ومساعدة الآخرين وعمل الأشياء النافعة، بل على البهرجة والسلع الاستهلاكية العالية الثمن، أو الخدمات المكلفة جداً دون حاجة. وهذه سمة تكاد تكون خاصة بالشرقيين، لعدم تقديرهم ما يمكنهم استهلاكه، وما لا يمكنهم ذلك. من أجل ذلك، تبارى الأدنى حظاً من المال والقدرة والجاه في إظهار الملاءة المالية، أو التباهي بأي من مظاهرها، أو الادعاء بالانتماء إلى تلك الطبقات بغرض الحصول على الحظوة لدى الفئات الدنيا. ونشأت في هذا الصدد أمثال شعبية من صنف: «الصيت ولا الغنى»؛ أي أن الصيت كافٍ للتمتع بمزايا الغني، حتى لو لم يكن المرء غنياً فعلاً. فقد وجد أناس من الطبقات الوسطى مقترين على أنفسهم وعائلاتهم؛ وفي المقابل ينفقون المال على السيارات الفارهة والولائم الباذخة. بل إن بعضهم يصرف في تأثيث الأجنحة الخاصة بالضيوف أضعاف ما يصرفه على بيته، ولوازم أسرته، ناهيك عن أفعال الخير الفعلية، وليست المصروفة بغرض المباهاة والحصول على الصيت، ليصرفه في بنك «تعامل النفاق الشرقي»، الذي شعاره: أنت تساوي ما تشتري! (أو ما يعتقد الناس أنك تشتري ...).