الخائنة تشيلسي
لدي قناعة قديمة فحواها أن الناس والإعلام في البلاد المتقدمة لديهم القدرة على مَسْرَحة كل شيء، ثَبَّتَ هذه القناعة عندي القصة الغربية للجندي الأول ومحلل المعلومات الاستخبارية في القوات البرية الأمريكية «مانينغ برادلي» فبعد ثلاث سنوات ونصف من اعتقاله وسجنه بطريقة انفرادية، صدر بحقه حكم بالسجن لمدة خمسة وثلاثين عاما، الذنب الذي اقترفه مانينغ القيام بأكبر عملية تسريب للمعلومات في التاريخ الأمريكي هذه المعلومات مصنفة بأنها شديدة السرية على المستويين العسكري والسياسي وهي مرتبطة بالحرب الأمريكية في العراق وفي أفغانستان. شخصية مركبة تقوم بدور مزدوج للبطولة، الرجل الجندي مانينغ الذي قاد أكبر عملية تسريب للمعلومات العسكرية والسياسية إلى المواقع المتخصصة في نشر أسرار الدول والحكومات، وسبب لبلاده حرجاً كبيراً مع الحلفاء والأصدقاء والأعداء على حد السواء، والخائنة الأنثى الذي قال إنها تقبع في داخله منذ الطفولة.مسرحة هذا الحدث تأتي في تقديري من عدة زوايا بعضها مرتبط بالحدث نفسه، والبعض الآخر ناتج عن الحدث. فمن جهة الموقف الرسمي الأمريكي وكما عكسه رأي الادعاء العسكري فإن الجندي مانينغ «خائن» و»جاسوس» مهووس بالشهرة. لذا طالب الادعاء بسجنه 60 عاما، في الجانب الآخر من الموقف الأمريكي ذاته هناك من رأى أن مانينغ بطل قومي أمريكي وشجاع لدرجة أنه امتلك الشجاعة ليندد بالوجه البشع من السياسية الخارجية والعسكرية الأمريكية. ولأنهم يرون أنه رمز للسلام تظاهر المئات أمام بعض القواعد العسكرية الامريكية. وبالمناسبة هذا التيار من التفكير المندد بالمواقف الأمريكية قديم وموجود على الساحة السياسية والفكرية في الولايات المتحدة، وإن جاء هذه المرة للتنديد بسياسيات أمريكا الخارجية فهناك من يجاهر ببشاعة وعدم صدقية السياسيات الداخلية التي تعني المواطن الأمريكي بالدرجة الأولى وربما هذا تيار يتماهى مع ما يدعو إلية نعوم تشومسكي الذي يصف الحكومات الأمريكية في هذا الميدان بالفاشلة. المسرحة الحقيقية التي صاحبت الحدث جاءت من خارج الولايات المتحدة الأمريكية حيث قامت فرقة فنية بريطانية تعمل في ميدان المسرح بعمل مسرحية عن حياة الجندي مانينغ منذ التحاقة بالجيش حتى اعتقاله، مروراً بأهمية العمل الذي قام به. المسرحية المذكورة حصلت على واحدة من أعرق جوائز المسرح في بريطانيا وهي جائزة تيت بلاك للدراما التي تقدمها جامعة أدنبره في اسكتلندنا منذ 1919م. بعض الرسائل الاعلامية الامريكية التي وثقت لحظة النطق بالحكم التي لم تخل من المسحة المسرحية حيث ذكرت تقارير أن وجه الجندي مانينغ كان خاليا من أي تعابير ساعة النطق بالحكم. شخصية هذا الجندي الأمريكي تظل هي المحور في كل هذه المشاهد، فبعد ان اعترف بعشر تهم فقط من اجمالي التهم الموجهة إلية قال: لم انو أن أضر بالولايات المتحدة الأمريكية، وأضاف «آسف» إذا كنت تسببت للامن القومي باي أساءة لم أعنها. المشهد الرئيسي في حياة هذا الجندي الذي لم يتجاوز عامه الخامس والعشرين، تصريحاته أو اعترافاته قبل دخوله للسجن لقضاء العقوبة أنه يشعر بانه أنثى من الداخل، ومطالبته السلطات التي ستقوم على تدبر أمر سجنه بالسماح له بالخضوع للعلاج بالهرمونات لكي يتحول بطوعه واختياره إلى تشيلسي. بدلا من مانينغ. الأمر الذي يضع متابعي هذه المسرحية أمام شخصية مركبة تقوم بدور مزدوج للبطولة، الرجل الجندي مانينغ الذي قاد أكبر عملية تسريب للمعلومات العسكرية والسياسية إلى المواقع المتخصصة في نشر أسرار الدول والحكومات، وسبب لبلاده حرجاً كبيراً مع الحلفاء والأصدقاء والأعداء على حد السواء، والخائنة الأنثى الذي قال إنها تقبع في داخله منذ الطفولة وأخرجها الآن لكي تتولى تنفيذ عقوبة السجن «تشيلسي» . وفي تقديري أن فصول هذه المسرحية لن تنتهي حيث من المتوقع أن يثار كثير من الأخذ والرد حول حقوق التحول الجنسي وعلاقته من زوايا قانونية بأوضاع السجون والسجناء والجواسيس وخلافه، نعم العالم لديهم حتى في مثل هذه الحالات التي لا تقبل مطلقاً القسمة مسرح كبير.