بين لعب تعوب ولعب لعوب
تستوقفني العبارات التي تنبئ عن طرق تفكير مستخدميها، خاصة إذا كانت ذات سمات أنثروبولوجية، تكشف عن ثقافة المجتمع، ومما لفت نظري في هذا الشأن أن كثيراً من الشعوب الأوربية تستخدم مفردة اللعب في أدوار جادة جداً، سواء كانت في السياسة أو الأدوار الاجتماعية المهمة، دون تفريق في الأداء بين «لعب» و»عمل» أو «صنع». ففي أغلب اللغات الأوربية، نجد العبارات الاصطلاحية تتفق فيها كلمة «يلعب» مع مفردة أخرى دالة على الحدث أو الحالة المعنية؛ مما يدل على أنها متداخلة مع كل شؤون الحياة العملية والعقلية. وقد أدى هذا إلى ابتكار أوصاف خاصة بمن يفعلون الأشياء الرئيسة في الحياة أو العناصر التي لها أثر كبير في تسيير الأحداث، من مثل: اللاعب الرئيس (بمعنى من له دور أساسي في العملية المقصودة أو المشهد). ثم انتقلت إلى تمثيل الأدوار في المسرح والسينما والأفلام، ليصبح: يلعب دور كذا، كما أصبحت مفردة أساسية في العزف الموسيقي (حتى الإبداعي جداً منه كالموسيقى الكلاسيكية)، لتكون كلمة «يلعب» مع اسم المعزوفة كافية لوصف الحدث.نجد العرب غير منجزين حتى في «اللعب»، فهل يعود ذلك إلى ثقافتهم التي تحتقر الألعاب، وتعدها عملاً دونياً، لا يجدر بأصحاب الهمم العليا أن يتجهوا إليه. مما جعل كثيراً ممن يقبلون على الانخراط في الممارسات الرياضية هم ممن لم ينالوا حظاً من القدرة على الاستمرار في حياة الجد المحمودة؟ فأصبح تركهم اللعب بما يحتويه في ثقافتهم القديمة من دلالات موغلة في العبثأما في البيئة العربية، فإن المفردة خاصة بما هو غير ذي بال، إما للتسلية وقضاء الوقت مع الأصحاب، أو لشيء محتقر أو عبثي. فارتبط الدال في الثقافة العربية باللهو وتضييع الأوقات دون جدوى، أو حتى التفريط في الاستعداد، وعدم الجدية اللازمة لإنجاز ما هو مطلوب، لذا وجدنا القرآن يصف الحياة الدنيا مقارنة بالحياة الآخرة: «إنما الحياة الدنيا لعب ولهو». وفي استنكار عدم الجدية أثناء العمل يخاطب الناس بعضهم بعضاً بسخرية: ليه نلعب؟ (مما يعني عكس الجدية تماماً). وبالرغم من أن العربية الحديثة قد أخذت بعض هذه العبارات الاصطلاحية مترجمة عن اللغات الأوربية، من مثل: «لعب دوراً في الحياة»، أو حتى باستعارة متقدمة، مثل: «أصبحت الكرة في ملعب ...»، أي أن مهمة اتخاذ القرار أصبحت متوقفة عليه؛ إلا أن تلك المفاهيم لم تتغلغل إلى عمق الثقافة العربية، بل بقيت عبارات جامدة ومعزولة عن بقية الآليات الدينامكية في اللغة وفي التفكير العربي. بقي اللعب مرادفاً للهو والعبث، ومرتبطاً بالفتاة اللعوب، التي ترقص أو تتغنج لإغراء الرجال. وهي صفة في الثقافة العربية خاصة بالإماء، اللاتي يرتفع سعرهن إذا كانت لديهن مواهب أو قدرات على ممارسة الرقص والغناء، وهي بالطبع صفة دنيا لا يتصف بها العرب الخلّص؛ في حين أصبحت مفردة «اللعب» في الثقافات الغربية، والعالمية بشكل أوسع، دالة على قطاعات عريضة وصناعات قائمة عليها مصالح كثير من الناس، ومحترمة جداً في أوساط الجماهير. فمنذ أن كان اليونان يقومون بمسابقات في ألعاب جسدية متعددة، وكذلك الرومان في تنظيمهم المصارعة وعدداً من الألعاب الرياضية، إلى أن تطور تنظيمها في أوربا الحديثة وخارجها، كان الفخر حليف من يفوز فيها، والمجد ينال كل المحيطين به والقائمين على تدريبه. بل إن عدداً من دول العالم في العصر الحديث أصبحت تسعى للحصول على بطولات رياضية، أو ميداليات في المسابقات، التي أخذت شعار اليونان القديم، لتكون لها شهرة بين دول العالم الأخرى، وفي مخيلة شعوب الأرض، كما أصبح أولئك الفائزون في المسابقات أبطالاً أسطوريين في بلدانهم. وربما يعرف قليل منا أن دولاً مثل البرازيل والارجنتين قد تعزز اقتصادها بسبب شهرة لاعبيها الرياضيين، وحصولها على عدد من تلك البطولات. وربما يتذكر بعضكم اللاعب الأسطوري الفرنسي الجنسية (الجزائري الأصل)، وما عاناه عندما رفض الجنسية الفرنسية، وأراد أن يغادر إلى بلده الأصلي ليمثل منتخبه.في المقابل، نجد العرب غير منجزين حتى في «اللعب»، فهل يعود ذلك إلى ثقافتهم التي تحتقر الألعاب، وتعدها عملاً دونياً، لا يجدر بأصحاب الهمم العليا أن يتجهوا إليه. مما جعل كثيراً ممن يقبلون على الانخراط في الممارسات الرياضية هم ممن لم ينالوا حظاً من القدرة على الاستمرار في حياة الجد المحمودة؟ فأصبح تركهم اللعب بما يحتويه في ثقافتهم القديمة من دلالات موغلة في العبث وخرم المروءة، وبما أصبحوا يفهمونه في العصر الحديث أنه عناية بقدرات الجسد والتنافس فيها مع الآخرين؛ كل ذلك من أجل أن يتفرغوا للأعمال الجادة جداً، التي ترفع من شأن الأمة. لكني أخشى أن العرب لم يحققوا لا هذا ولا ذاك!