خليل الفريع

آفة الأخبار .. رواتها

كثيرة هي الأخبار التي تصلك وتصدقها ثم تكتشف أن بينها وبين الصواب، ما بين الثرى والثريا، وكثيرة هي الشائعات التي قد تسمعها، وقد صيغت لتستثمر في غاية شيطانية، تسيء إلى فلان من الناس، أو فئة من الفئات، لكن اكتشافك لحقيقتها قد يأتي متأخراً، بعد أن تحدد موقفك منها، وما يمليه عليك هذا الموقف من خطوات عملية لا يمكن تدارك نتائجها لاحقا، وهنا مكمن الخطورة.. ومع أن ما بني على خطأ فهو خطأ، فإن نتائج ذلك لا تفيد معرفتها بعد فوات الأوان، والسبب في كل هذه الإشكالية المجحفة، هو سوء نقل تلك الأخبار،وسرعة تداول تلك الشائعات، والعبث بتفاصيلها، لتناسب الموقف المراد تسويقها من أجله، فالرواية الكاذبة سواء كانت مباشرة من صانعها، أو منقولة عنه دون التأكد من صحتها، هي وصمة عار في جبين من زيفها، وهي أيضا معول هدم لكيانها ذاته عندما تكتشف الحقيقة، وتفقد مصداقيتها، ومعظم هذا النوع من الأخبار والشائعات مآله الانصهار والتلاشي، إذا تعرض لحرارة شمسالرواية إذا حرفت الأصل، هي آفة الأخبار، وعلتها التي لا تقبل العلاج، لأن المتلقي يأخذها على علاتها، ويحدد موقفه منها، وربما استشهد بها دون أن يدرك ما بها من علة عصية على العلاج، ومن المؤسف أن يوجد من يأخذ على عاتقه مهمة تشويه الواقع، لغرض في نفسه، وانسياقا مع هوى النفسالحقيقة الساطعة، وقد يكون الخبر صحيحا، ولكنه يروى بطريقة تخدم أغراضا بعينها بعيدة عن حقيقته وواقعه، لذلك قالت العرب: وما آفة الأخبار إلا رواتها،   وهذا عجز بيت للشريف الرضي المتوفى سنة 1015م ببغداد، إذ يقول:وهم نقلوا عني الذي لم أفه بهوما آفة الأخبار إلا رواتها  وهو بيت من قصيدة طويلة بلغت أبياتها (71) بيتا ومطلعها:أبينتها أم ناكرتك شفاههانزائع ينقلن الردى صهواتهاثم أتي بعده أبو المعالي الطالوي المتوفى عام سنة 1605 في دمشق، ليردد البيت نفسه في مقطوعة شعرية من (10) أبيات مطلعها:إذا مرضت نفسي فأنتم أساتهاوإن ظمئت يوما فأنتم فراتهاولبهاء الدين الرواس بيت قريب من هذا المعنى يقول فيه:واحرص على نص الغرام بعينهسقم الرواية آفة الإخبار وهو بيت من قصيدة رقيقة بلغت أبياتها (22) بيتا مطلعها:هب النسيم فسار بالأخباررفقا بسر قلوبنا يا سارِفالرواية إذا حرفت الأصل، هي آفة الأخبار، وعلتها التي لا تقبل العلاج، لأن المتلقي يأخذها على علاتها، ويحدد موقفه منها، وربما استشهد بها دون أن يدرك ما بها من علة عصية على العلاج، ومن المؤسف أن يوجد من يأخذ على عاتقه مهمة تشويه الواقع، لغرض في نفسه، وانسياقا مع هوى النفس: قال تعالى: «وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ» ومعظم الذين يكذبون يعرفون ما تنطوي عليه هذه الفعلة من إثم وافتراء، وما يمكن أن تخلفه من آثار سلبية يتحمل نتائجها الأبرياء، قال تعالى: «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ».تزييف الواقع يؤدي حتما إلى الإساءة للفرد أو للجماعة أو للوطن أو للأمة، وهذا سلوك ضد طبيعة الإنسان السوي، الذي يخشى الله قبل أن يخشى خلقه، وأمام هذا الطوفان الطاغي من المعلومات والأخبار التي تحاصر الأنسان في هذا العصر، لا يملك إلا التبصر والتريث، وعدم الهرولة وراء الشائعات والأكاذيب، التي سريعا ما تنتشر حال ظهورها، انتشار النار في الهشيم، والحذر في التعامل مع هذه المواقف، هو الكفيل بمنع الإنسان من الوقوع في مصيدة سوء السلوك وسوء التصرف، في كثير من الأمور، وهو بثقته في نفسه، وبقدراته العقلية غير المحدودة، يملك القدرة على التمييز بين الحق والباطل، والحق أحق أن يتبع.