بين ضربتين
بالون الضربة العسكرية الأمريكية للنظام السوري فقد الكثير من زخمه الذي تصاعد خلال الأسابيع الماضية لدرجة أقنعت القريب والبعيد بأن الضربة التي سميت تارة محدودة أو منتقاة أو مركزة واقعة دون أدنى شك. اليوم تبين للعالم انه بعد المفاوضات التي تمت مؤخرا بين الطرفين الأمريكي والروسي ان هناك صفقة او تسوية توصل لها صناع السياسة في روسيا والولايات المتحدة الأمريكية بشأن الوضع في سوريا الاسم المعلن لما تم التوصل اليه هو «المبادرة الروسية». هذه المبادرة لقيت قبولا لدى عدد من الأطراف الدولية والإقليمية، ولم يستغرب مراقبون تلقف النظام السوري إياها والموافقة عليها، لأنها أصبحت المخرج الوحيد الذي بقي للنظام قبل الاصطدام بالجدار الامريكي الصلب. ولان الطرف المتبني للمبادرة هو عراب النظام السوري دوليا وأي رفض لرؤيته للتسوية سيجعل نظام دمشق عبئا ثقيلاً عليه. لا يشك أحد في ان الوصول لهذه المرحلة يعد تقدما للسياسة والدبلوماسية الروسية التي وصفت من قبل دوائر غربية كثيرة في عهد الرئيس بوتين على وجه الخصوص بأنها دبلوماسية متحجرة وتسير بروسيا نحو العزلة الدولية! في المحيط الاقليمي تنامى مع مناخ هذه المبادرة حضور أقل ما يوصف به أنه ايجابي للطرف الايراني الذي أظهر شراسة سياسية في تعاطيه الإعلامي والسياسي خلال مناخات الاحتقان التي اثارتها احتمالات الضربة العسكرية. الأطراف الاقليمية الأخرى يسهل تقسيمها الى فريقين يمثل الاول تركيا والنظام السياسي العربي العام « جامعة الدول العربية» وهذا الفريق بقدر ما أظهر من حماس للعمل العسكري ضد النظام السوري يظهر اليوم درجة من المرونة السياسية تتيح مجالا للتعاطي مع المبادرة الروسية. الشق الثاني من الفريق الاقليمي تمثله القوى الاقليمية العربية الفاعلة على مستويات الدعمين السياسي والمادي للشعب السوري الذي يسعى لإسقاط النظام منذ ما يزيد على عامين. وهي منظومة دول مجلس التعاون الخليجية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.الملاحظة الغريبة التي لم تفت عددا من المراقبين للشأن السوري بالذات ان هذه القوى العربية - المملكة و دول الخليج - تؤمن بأن رحيل هذا النظام الدموي في دمشق حل استراتيجي للمنطقة برمتها، وهذا ما تتطابق بشأنه الرؤى مع الجانب الأمريكي. إلا ان حسابات الطرف الأمريكي تغيرت بطريقة لافتة وإن كانت غير مستغربة خاصة بعد التصريح المختصر والمركز الذي أدلى به الرئيس الامريكي في 16 سبتمبر، وأشار فيه بوضوح إلى «أن الاتفاق الأمريكي مع الجانب الروسي ينهي خطر الأسلحة الكيميائية السورية» .الولايات المتحدة الأمريكية لها تفضيلاتها وحساباتها الخاصة التي غالباً ما ترتبط باعتبارات داخلية أمريكية وأخرى دولية، فما يهم معرفته الآن هو: ما الموقف الامريكي من النظام السوري وسط هذه التحولات الدراماتيكية؟! وكيف ستؤثر هذه التغييرات والتفضيلات الأمريكية على علاقات الطرف الأمريكي مع الحلفاء التقليديين في المنطقة؟ وهل يعني كل ذلك تغيير التحالفات أو التفاهمات بين الأطراف الدولية والإقليمية لإيجاد حلفاء جدد يمكن الحرب ضدهم وقت الحاجة والتفاهم معهم متى اقتضت الظروف؟ أزعم أن النظام السوري وإن اعتقد أنه أفلت من مصيدة الضربة العسكرية فإنه وقع في مصيدة من نوع آخر، وهي مصيدة الضربة السياسية ويؤكد ذلك عندي عناصر ما يسمى المبادرة الروسية التي تجعل النظام السوري وكل مقدراته العسكرية الكيميائية والتقليدية تحت رحمة التفتيش الدولي. الأخطر من ذلك الأصوات التي تتردد في أروقة مجلس الأمن وتتزعمها السياسة الفرنسية التي تؤكد على ضرورة اللجوء إلى القوة الدولية ضد النظام السوري في حال الاخلال بشيء من تعهداته. يضاف إلى ذلك التذكير المستمر للأمين العام للأم المتحدة ببشاعة وجرمية النظام وضرورة تدخل مجلس الأمن لحماية المواطنين، وهذه اشارات لا تقبل التأويل حول ضرورة تفعيل آليات المجلس الخاصة باستخدام القوة ضد النظام أو ما يعرف ببنود الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. صحيح أن الطرف الامريكي لم يعد يتحدث عن رحيل النظام في المدة الأخيرة ، لكن من الواضح أن صانع السياسة والإستراتيجية الامريكية لهذه الأزمة فضل خيار استنزاف النظام والأطراف غير المرغوبة في المعارضة السورية بحرب الكل ضد الكل، حتى يتم «تأمين» و «تدمير» السلاح الكيميائي للنظام، ومن ثم ايجاد حليف داخلي أكثر موثوقية من الأطراف الطافية على ساحة الصراع السورية الآن. بعبارة أخرى الامريكان يلعبون بالوقت لا أكثر مع بقاء نفس الأهداف. فيما يتعلق بالطرف الاقليمي وما ظهر من أنه خلاف أو بعد شقة بينه وبين الطرف الامريكي أزعم من جديد أن الموضوع لا يعدو كونه عدم اتفاق حول التكتيك لا أكثر. أما الرؤية والعمل الاستراتيجي فمن الصعب تبديل التحالفات حولها بهذه الصورة. وعلى العموم لن يتمكن أحد من سبر غور هذه الفرضية ومدى صحتها، إلا عندما تنضج الطبخة الامريكية المعدة على الطريقة الروسية ويتجرع النظام السوري مرارة الضربة السياسية والدبلوماسية، بعد أن اعتقد مخطئا أنه أفلت من الضربة العسكرية.. متى يكون ذلك؟ الله وحده أعلم.