د. مبارك الخالدي

خدم وحشم وأكواب قهوة

«قهوة الصباح»، قصة قصيرة جداً (ق.ق.ج) للقاصة منيرة الإزيمع، وُفِّقتْ فيها الى اختيار العنوان المناسب لنصٍ بسيطٍ ولذيذٍ ومنعشٍ كقهوة الصباح؛ أثار في ذهني تساؤلات عن بعض المفاهيم والمصطلحات مثل مصطلح «الشخصية الرئيسة» ومرادفاته (المركزية والمحورية) كبديل عن بطل وبطلة، والشخصية المُحَرِكَّة للحبكة أو الحدث، وما يجعل شخصية ما محورية وأخرى غير محورية أو ثانوية. باعث هذه التساؤلات هو ضبابية ما يفترض أن يكون خطاً بيناً بين الرئيس والثانوي كما في نصوص سردية سبقت نص الإزيمعالخادمة هي الشخصية الرئيسة، فهي وإن لم تنطق كلمة واحدة إلاّ انها السبب المحرض على الكلام/ السرد، وهي سبب صراخ «سيدتها» كل صباح، وهي قبل كل هذا سبب التغير الصغير ذي الدلالات العميقة في حياة سيدتهاقد لا تَعْبُرُ هذه التساؤلات ذهن قارئ آخر يرى الخط الفاصل بين الرئيسي والثانوي واضحاً؛ فالسيدة ربة البيت، في رأيه، هي الشخصية المحورية لكونها الساردة والمُببَئِرّة focalizer، التي يرى الشخصية الأخرى والاحداث من زاوية رؤيتها، ويقرأ كلامها، أو يسمع صوتها، من البداية الى النهاية. لا يمكنني سوى التسليم بصحة رأيه؛ لكنه سيواجه صعوبة في تفنيد رأيي أن الخادمة هي الشخصية الرئيسة، فهي وإن لم تنطق كلمة واحدة إلاّ انها السبب المحرض على الكلام/ السرد، وهي سبب صراخ «سيدتها» كل صباح، وهي قبل كل هذا سبب التغير الصغير ذي الدلالات العميقة في حياة سيدتها، المتمثل في تحولها من امرأة تصنع أشياءها بنفسها، كما تروي، الى امرأة كسولة بدأت تتناول قهوة الصباح بدون سكر في فراشها بعدما حكت الخادمة عن كيف كانت سيدتها السابقة تتناول القهوة بدون سكر في سريرها. في كل صباح تدخل الخادمة غرفة سيدتها (الساردة) حاملة كوب القهوة بالسكر، لتصرخ بها السيدة بأنها تريد قهوتها بدون سكر، فتهز الخادمة رأسها علامة الموافقة وتغادر الغرفة.  لا يخفى أن السيدة في قبضة الخادمة وتحت سيطرتها لاعتمادها عليها  من اللحظات الأولى بعد استيقاظها من النوم، وتظهر مغلوبة على أمرها في طلبها أن تضع الخادمة السكر الى جانب القهوة إذا كانت تصر على إحضاره؛ وأن الخادمة تبدو وكأنها تتعمد تعكير مزاج السيدة بكوب القهوة المحلاة بالسكر التي ترفض السيدة شربها تشبهاً بالسيدة السابقة، والتي قد تكون شخصية خيالية اخترعتها الخادمة لخلق حاجة جديدة لدى السيدة، أو لتعكير صفو صباحاتها خُبْثاً أو حقداً عليها، امتداداً لحقد انبجس في داخلها على السيدات اللائي يحتمل أنها اشتغلت عندهن من قبل.  المثير هو أن السيدة التي ينظر القارئ الى الحدث من زاوية رؤيتها عاجزةٌ عن إدراك أن «العادة الغريبة... تلبست(ها) فجأة» بتأثرها بحكاية الخادمة عن سيدتها السابقة؛ أو انها تعيش في حالة انكار لأن وعيها الطبقي وتعاليها يمنعانها من الاعتراف بذلك درءاً للشعور بالإهانة من تأثرها  بحكاية الخادمة، رغم قابليتها للتأثر بالشخصيات الخيالية في القصص والروايات: «فأنا لم أتأثر بأي شخصية، قرأت أنها تحب تناول قهوتها في الفراش، ولا أذكر سوى حديث خادمتي الغريب، عن سيدتها السابقة والتي تشرب قهوتها بلا سكر». لا يمثل تذكر السيدة حديث الخادمة اعترافاً بأنه مصدر التأثير، فما وصفها إياه بالغريب سوى تقليل لقيمته، وإنكار لتأثرها به.   في «قهوة الصباح» تبدو السيدة والخادمة صورتين لنساء محتملات الوجود في الواقع الحقيقي الذي يحيل عليه النص، حيث مئات الآلاف من الخدم والحشم الذين يقدمون أكواب القهوة والشاي، ويقومون بخدمات عديدة لـ»كفلائهم»، وفوق ذلك ينخرطون بوعي أو بدون وعي في عملية تأثير وتأثر مع من حولهم. قد يُعترف بتأثيرهم، اعترافا غالباً ما يكون مصحوباً برنين اجراس الإنذار من خطورته، وقد «يُنكر» أن لهم مشاعر وأحاسيس ورغبات وقدرات كما تنكر السيدة تأثرها بخادمتها. ويقابلون الصراخ بهزات الرؤوس التي تُعدُّ دليلاً على الغباء والبلاهة. وهي ليست كذلك! ألم يُحول سردُ الخادمة المتخيلة (صاحبة الرأس الهزاز)، «السيدة» الى امرأة اتكالية، تتحول الى ساردة في نهاية المطاف؟.