سالم اليامي

حكاية النفط الليبي

رحم الله جدتي، المرأة الفارعة الطول، السمراء البشرة ذات الصوت العميق الطبقات، الذي كانت تتحكم فيه ببراعة تصور لنا ذهنيا مواقف وأوضاع الشخصيات التي تحاول تجسيدها كل مساء. على مدى سنوات حكت لنا - غفر الله لها - الكثير من الحكايات ومازلت أتذكر إحدى حكاياتها الأثيرة عندي تلك التي تُخبر عن سمكة ظهرت لها خرزة ملونة تحت منطقة الذقن، كان لتلك الخرزة القدرة على توليد الضوء الذي ينير للسمكة طريقها ويهديها إلى مناطق الغذاء ويجنبها مكامن الخطر في البحر.إن أسوأ مشهد يمكن أن يكون المرء شاهداً عليه هو اختلاط السياسة بانتشار سطوة السلاح وغياب الأمن وتعدد الرؤوس التي تدعي خوفها على مصلحة البلاد والعباد، وفي ذات الوقت يقف الكل عاجزا إلا عن تحقيق مصلحته اللصيقة. أما  الثورة والدولة والناس فلهم الله.هذا الموضوع جعل السمكة مثار حسد وهجوم من باقي الأسماك. خرجت السمكة يوماً إلى الشط وسألت عابر سبيل عن حل لمعضلتها تلك، فنصحها بأن تتفاهم مع البقية على أن تسمح لهم بحمل الخرزة المضيئة بالتناوب لكي تجد القبول في محيطها الطبيعي وتنعم بالهدوء والسلام. حكاية النفط الليبي والعوائق التي بدأت تقف في طريق إنتاجه وتصديره خلال الأشهر الأخيرة أكثر تعقيداً وتأزماً من حكاية السمكة والخرزة المضيئة. المؤلم لمن يعيش بين الليبيين انه يدرك الفرق بين تلك الاماني العريضة والزهور في أحاديثهم قبل أكثر من عام بنجاح الثورة وبناء المؤسسات وتحقيق الانتخابات وتشكيل نواة سياسية «المؤتمر الوطني العام» واتفاق غالبية الليبيين على أنه صمام الشرعية وواجهتها في ليبيا الجديدة. وبين ما يحدث اليوم من تهديد واضح لكل مقومات السلم الاجتماعي، وتهديد لمستقبل ليبيا وحاضرها، وأعتقد أن الصورة لن تكون بالوضوح الكافي ما لم نؤكد على أمرين أساسيين، الأول: الشعور المتصاعد عند الليبيين على مختلف أطيافهم وتطلعاتهم السياسية والمناطقية بفشل الحكومة المؤقتة التام في تحقيق الأساسيات اللصيقة بحياة الناس اليومية وفي مقدمتها الأمن الذي بدأ يتآكل بصورة مخيفة. الأمر الآخر إخفاق كل المحاولات التي سمع عنها الناس على مدى أشهر في بناء جيش ورئاسة أركان وقطاعات الأمن الشرطية. كل هذه الاخفاقات من الطبيعي أن تعزى لأكثر من سبب، ويبقى السبب الأول انتشار السلاح دون ضوابط محددة، واستمرار سيطرة القوى المسلحة التي شارك قطاع كبير منها في دحر النظام السابق، وأوجد لليبيين ثورة السابع عشر من فبراير 2011م التي يعتزون بها كثيراً. وعلى خلفية تأزم الوضع العام سياسياً وأمنياً تعاظمت لدى قطاعات - ترى أنها الحامية للثورة، والأمينة على رزق الليبيين - فكرة عجز الأشكال السياسية الحالية عن تأمين الثورة من جهة، ومن جهة أخرى الاعتقاد بسيطرة تنظيم معين على التفرد بإدارة البلاد وتقاسم المواقع الحساسة فيها وأكثر من ذلك سرقة نفط ليبيا وبيعه لحساب فريق معين. من هنا شهد شهر أغسطس الماضي أسوأ أزمة تعصف بانتاج وتصدير النفط الليبي منذ نجاح الثورة في مطلع 2011م ومنذ منتصف شهر أغسطس تدنت مستويات الانتاج إلى مستويات غير مسبوقة حتى أن تقارير فنية تحدثت عن وصول الانتاج والتصدير إلى الصفر في أواخر ذلك الشهر، وكل ذلك بسبب إغلاق المنشآت النفطية بقوة السلاح، وإعلان الدولة المتكرر تأجيل اللجوء للقوة حقناً للدماء. إنها حكاية معقدة قد تجعل من هذا المورد الذي هو الضمان - بعد الله - لمستقبل ورفاهية وديمقراطية الشعب الليبي المأمولة أقول قد تجعل منه - لا سمح الله - اللعنة التي تحرم الناس من خير بين أيديهم. كل التقارير الاقتصادية والأمنية الدولية والمحلية متشائمة وتشبه نبرة معارض ليبي قال لي في مطلع أزمة النفط هذه : «نحن لا نعرف أنفسنا». لم أفهم على وجه الدقة ماذا يقصد ذلك الرجل، هل يعني أن ليبيا ليست معلقة في فضائها الخاص، بل هي جزء من منظومة دولية اقليمية تقوم على الاعتماد المتبادل في قضايا الطاقة والأمن والسياسية؟ وأن أي تطور للأمور إلى الحدود التي تهدد مصالح الآخرين وتؤثر في أمنهم ستجد من يتصدى لها ؟ هل يقصد ان هذا البلد لا يزال - نظرياً وقانونيا - مفوضا جزءا من سيادته لمجلس الأمن حسب مفهوم الفصل السابع أهم وأخطر فصل من فصول ميثاق المنظمة الذي يجيز التدخل بالقوة لصالح السلم والأمن الدوليين وبناء على السلطات التقديرية للمجلس، ويؤكد في ذات الوقت إن كل القرارات التي تصدر تحت هذا الفصل إلزامية التنفيذ! إن أسوأ مشهد يمكن أن يكون المرء شاهداً عليه هو اختلاط السياسة بانتشار سطوة السلاح وغياب الأمن وتعدد الرؤوس التي تدعي خوفها على مصلحة البلاد والعباد، وفي ذات الوقت يقف الكل عاجزا إلا عن تحقيق مصلحته اللصيقة. أما  الثورة والدولة والناس فلهم الله.