سالم اليامي

مصر والوجه الآخر للأزمة

التطورات الدراماتيكية الحادة التي شهدتها البلاد المصرية في الأسابيع الأخيرة لم تعد تخفى على أحد ابتداءً من فض الاعتصامات إلى إعلان حال الطوارئ إلى فرض حظر التجوال وما صاحب كل ذلك من ضحايا كلهم للأسف مصريون، السؤال الذي يثور بإلحاح في أذهان الناس اليوم ومن منطلقات عدة هو إلى أين تسير الأمور في مصر وكيف ستسير التطورات على الساحة المصرية خلال المرحلة القادمة، التساؤل وجيه ومباشر لكن ليست هناك إجابة بنفس المواصفات نظرا لطبيعة الوضع المعقدة. ومع ذلك يمكن القول إجمالاً ان النظرة العامة لمستقبل الأحداث لن تخرج عن رؤى ثلاث على النحو التالي الرؤية الأولى ان البلاد المصرية والإنسان فيها شَهِد وعاصر الكثير من الأهوال والمصاعب عبر تاريخه الطويل ولن تكون هذه الأزمة رغم قسوتها بأصعب وأخطر مما سبق،من هنا يجب التفكير في حل ينزع فتيل الأزمة،  بعبارة أخرى يجب أن تكون هناك منطقة وسطى تلتقي فيها الاطراف الرئيسية، بهدف التوصل إلى حل. مع ضرورة التنويه بأن الحل لن يكون إلا سياسياً.الرؤية الثانية ان الوضع الذي تعيشه المحروسة حاليا وبناء على عدة معطيات داخلية واقليمية ودولية وضع حساس وغير مسبوق وأن التطورات التي تحدث بشكل لحظي أحيانا خطيرة وقد تُورث أو تسبب أوضاعا معقدة يصعب التعامل معها مستقبلاً، الرؤية الثالثة انه استناداً للمعطيات السابقة فان كل الاحتمالات بما فيها الحل والخلاص إضافة إلى التصعيد والتأزيم واردة ومحتملة بنسب متساوية. هذه المسارات الافتراضية لتطور الأمور هي المعطيات العامة التي تحاصرنا بها الرسائل الإعلامية المنهمرة منذ بداية الأزمة،  ومع ذلك فمن المعتقد أنه للوصول لقراءة معقولة للوضع الراهن والتطلع إلى فهم أفضل لتطورات المستقبل فإن ذلك مرتبط  بمدى ادراكنا لحقيقة جوهرية هي أن تغليب استخدام القوة في الصراع السياسي من قبل السلطات المكونة من الحكومة المدنية ذات الأطياف السياسية المخلطة ، والمؤسسة العسكرية يجعلنا في مواجهة ما يمكن تسميته تقابل الأضداد أي أن هناك حكومة وهناك معارضة ، توجد أساليب سياسية « حوار، انتخاب، اعتصام» يقابلها بطبيعة الحال أساليب غير سياسية وهذه الازدواجية الضدية تؤدي غالباً إلى أوضاع خطيرة وقابلة للانفجار سواء أكانت في مصر أو في غيرها من بلدان العالم. و انطلاقا من الفهم بحقيقة الوضع القابل للانفجار على الأرض من هنا يجب التفكير في حل ينزع فتيل الأزمة،  بعبارة أخرى يجب أن تكون هناك منطقة وسطى تلتقي فيها الاطراف الرئيسية، بهدف التوصل إلى حل. مع ضرورة التنويه بأن الحل لن يكون إلا سياسياً مهما طالت الأزمة ومهما زادت حدة التعقيدات، طريق الحل والحوار السياسي اليوم غير صالح للاستخدام ولا أريد أن أقول انه مغلق لوجود أزمة ثقة مستفحلة بين الفرقاء المصريين ، إضافة إلى أن ليس هناك طرف اخر من مكونات الجسم السياسي المصري العام يمكنه أن يحقق التوازن الطبيعي المطلوب للتقريب بين الفرقاء، وبالنظر لما يمكن أن تلعبه الأطراف الاقليمية والدولية لإيجاد حل للوضع الذي قد يتطور إلى صراع،  وللمساعدة على تخفيف حدة الأزمة في مصر يتضح بجلاء أن الدور الدولي والاقليمي كان ذا تأثير غير ملموس رغم وجود عدد من المبادرات إلا أنها لم تنجح في التقريب بين الحكومة والجيش والمعارضة. الواضح من مجمل تشريح الحالة العامة المصرية حتى الآن هو أن البلاد تمر بحالة من مشاورة النفس في بتر متعمد لعضو من مكونات الجسم السياسي والاجتماعي والثقافي المصري ، وأعني به المعارضة ، التي بدأت تؤسس بدورها لإنتاج سلسلة من المظالم  الجديدة وتوثيقها بل واضافتها إلى رصيدها التراكمي من لعب دور حزب الظل المُقصى من ممارسة السياسة  بنص القانون والناشط جداً في أوساط المجتمع . واعتقد أنه من الخطير جدا الاقدام على عملية البتر السياسي في زمن الثورات والتعددية والمناداة بالمشاركة السياسية. مجمل الوضع السياسي والحراك المصاحب له في البلاد المصرية اليوم يضعنا في مواجهة حقيقة الثورة في مصر، وطبيعة منجزاتها، هل ما حدث منذ 25 فبراير يندرج في مسار التطور والوعي السياسي وتفعيل آلياته وأدواته. أم أن أدوات وأساليب الحقب السياسية الماضية مازالت قادرة على احداث التأثير الحقيقي  في المجتمع والسياسة. مصر بنهرها العظيم الذي يتسع لتيارات الماء تتسع بطبيعة الحال للتيارات السياسية. وهي في ظني قادرة على أن تقدم للمصريين شيئا آخر أفضل من الموت. شيء يكون أكثر تعدداً وتعبيراً عن حاضر الناس ومستقبلهم. خاصة في مناخ دولي عالمي عام يؤكد أن لا قبول بقيادة الطيف والتوجه واللون الواحد. بعدما يسمى بربيع الثورات.