تؤبرني ويا لبّى .. شتات وازدواج
تسمع إلى بعض شبابنا في البرامج الحية على القنوات التلفزيونية، وفي البرامج الإذاعية المباشرة، ومسارب التواصل الاجتماعي، وفي بعض الأوضاع الواقعية على الأرض؛ فتعجب من رقتهم وبلاهتهم أحياناً مع سذاجة وبجاحة في حالات أخرى. إذ يتفاعلون مع ألفاظ التودد، التي تستخدمها بعض المذيعات - على وجه الخصوص - من أمثال: «يا حبيبي»؛ «تؤبرني»، مما اعتادت عليه ألسنة أهل الشام بخاصة، وألفاظ أخرى مشابهة، يتفاعل معها الشباب بطريقة غريبة، وبردود فجة أحياناً، أو غير مفهومة لغير السعوديين، من مثل: «يالبّى» و»فديتك»... إلخ. وفي حالات ليست قليلة تكون محرجة لمقدمي البرامج والمشتركين فيها، بل وللمشاهدين والمستمعين.هل للازدواج في حياة الناس دور في تلبس حالة طوباوية غير الحالة السلوكية، التي يستطيع الناس اتباعها، خاصة من فئة الشباب؟ لا أدري، لكن سؤالاً عريضاً يتطلب أن تفتح الجامعات ووسائل الإعلام، ومجالس الناس التحقيق علناً فيههذا طبعاً - الإحراج الذي تسببه ردود أفعال الشباب - جانب، وليس هو ما أهدف إلى تناوله في هذه المقالة؛ بل إن مجموعة الشباب نفسها، أو مجموعات أخرى مماثلة تجدها في مواقع الانترنت، وفي ردود على مقالات في الصحف الالكترونية، وفي بعض شبكات التواصل؛ تختلف جذرياً عن ردودها ومواقفها في مثل تلك القنوات أو البرامج الحوارية. فهل الشباب هم أنفسهم هنا وهناك؟ هل يعقل أن يكونوا محفزين للاثارة في تلك الحالات، وبهذه الطريقة الداعية إلى التصور، أنهم قطعان تسعى إلى افتراس الصورة الحلوة أو الصوت الجميل؟ وفي بعض وسائل الإعلام، يتعلمون أيضاً أن المرأة عرضة للذئاب، فهل هم تلك الذئاب البشرية، التي يحذر منها الجنس الآخر في تلك الوسائل؟ لكنهم في الوضع الآخر جهاديون، ومتدينون؛ يشنون الحملات على من تعرض للتشدد الديني، وقلل من قيمة الحملات الجهادية، أو دعم الإرهاب وتجنيد الشباب له. فأي الصورتين يمكننا أن نصدق؟ وهل هناك قواسم مشتركة بين المسعيين؟ وبالمناسبة هذا الازدواج ليس خاصاً بالذكور منهم، لكن التفاعل بالألفاظ ربما لا يبدر من الإناث علناً على أقل تقدير. سأذكر مثالين لتوضيح تشتت الاتجاهات لدى الشباب في العصر الحديث؛ أحدهما يعود إلى مطلع التسعينات الميلادية، عندما قامت مجموعة من النساء في السعودية بمسيرة قدن فيها السيارات في بعض شوارع الرياض. تحرك الشارع الديني رافضاً الفكرة، كما هو متوقع. لكن ما لم يكن متوقعاً، ان عدداً من بنات الأسر الارستقراطية، اللائي تعودن على السفر إلى أوروبا في الصيف من كل عام، والتمتع هناك بقيادة السيارات، أولاء البنات كان بعضهن معارضاً للسماح للمرأة بقيادة السيارة، وبمقولات يرددنها: «لا .. لا.. هنا غير»؛ أو: «لا، البنات المتربيات ما يسوون كذا!» .. إلخ من عبارات تبهر من يعرفهن، وتوقعه في حيص بيص: هل هن ينافقن الداخل بمقولاتهن هذه، أم فعلاً يؤمنّ بما يقلنه، بينما تطبيقاتهن في الخارج، وحياتهن كالأوروبيات لا تعني لهن أي تناقض؟ أما المثال الثاني، فهو ما نقله صديق هذا العام في رمضان عن شاب كان مجاوراً له بالطائرة (والرحلة كانت في نهار رمضان)، وعندما رآه قد طلب طعاماً، قال: ألست صائماً؟ فقال: لا، أنا في سفر، ويجوز لي الإفطار. فقال له: بس السفر الحين سهل، ولا يلزم أن يفطر أحد فيه. يقول صديقي: قلت له: لكنها رخصة، والله يحب أن تؤتى رخصه! يقول: فسكت، لكني كنت أحترق في الداخل. هل للازدواج في حياة الناس دور في تلبس حالة طوباوية غير الحالة السلوكية، التي يستطيع الناس اتباعها، خاصة من فئة الشباب؟ لا أدري، لكن سؤالاً عريضاً يتطلب أن تفتح الجامعات ووسائل الإعلام، ومجالس الناس التحقيق علناً فيه. فهو، فيما أظن، المدخل الرئيس لبناء مستقبل معتمد على شباب واثق من نفسه، ومن سلوكه؛ لا يتصنع، ولا يبدو بعدة وجوه!.