مطلق العنزي

الكائن المضلل.. الشهوي الآكال..!

كانت استراتيجيات الدعاية تواجه صعوبات جمة في الكيفية التي يستطيع فيها الأفراد أو الأحزاب أو الحكومات تضليل الناس أو مكافحة ما يرونه دعايات مغرضة مضادة. وكذلك صناعة الإعلان التي انخرطت في حرب شعواء طويلة ومنهكة مع الأخلاقيات الإنسانية.وتوافق الإعلاميون المحترفون على التفريق بين الدعاية التي تهتم بالترويج للأيديولوجيات والأفكار وتهدف إلى تغيير اتجاهات الجماهير الفكرية وميولاتها الولائية، وبين الإعلان التجاري الذي يهدف إلى فتح شهية الجماهير وجيوبها. ويبدو للمرء التناقض والعداء بين الدعائية والاعلانية، على أن عبقريات الصحافة والإعلام جعلتهما أحياناً يتوافقان ويتحالفان ضد بني الإنسان، فيما يمكن القول إنه تزاوج تعسفي بين الأيديولوجيا والمال.وجاء زمن الانترنت وقنوات الستلايت وشبكات التواصل الاجتماعي لتكون هبة الله لآلات الدعاية والإعلان معاً، إذ أهداهما هذا الزمن خياراً، كان حتى قبل ثلاثة عقود صعباً وشبه مستحيل، لتخطي قواعد النشر والبث واخلاقياتها المهنية التي بنتها خبرة مئات السنين وتجاربها ومعارفها، منذ طبع الـ«غازيتا» أول صحيفة في العالم في البندقية عام 1656م.الآن لم يعد الحزبيون، ولا أعضاء الجماعات الخاصة، ولا أعضاء الحكومات أيضاً، ولا مندوبو الاعلانات، يضطرون لدعك الجباه حتى الاحمرار للتفكير في الوسيلة التي ينفذون بها إلى الناس وترويج أفكارهم أو عروضهم، ولن يجدوا صعوبة في البحث عن وسائل توافقهم الهوى أو شراء مساحات يمارسون فيها عبقريات الترويج والعرض.وايضاً لم يعد الأفراد يهرولون إلى دور النشر والصحف والاذاعات لبث أفكارهم ومقترحاتهم وهمومهم وتحذيراتهم وحتى حروبهم الصغيرة لتصفية الحسابات. الآن في دقائق يمكن لأي مروج أو مندوب إعلان أو موظف حكومي أو فرد يتوق إلى الظهور، أن يفتتح مدونة في الانترنت أو صفحة في فيس بوك أو معرف في تويتر، ثم يتحول في دقائق من العزلة والفردية وهموم التهميش إلى كائن عالمي، يخاطب الناس من بكين إلى هوليوود، ومن القطب إلى القطب. وينشر أفكاره ويعرض بضاعته كما يود ومتى شاء. وفطنت الأحزاب وموظفو الدعاية ومديرو الإعلان إلى هذه الميزة الجديدة، فاستغلوا الانترنت وشبكات التواصل، وبعضهم تخلى تقريباً عن دور النشر ومصارعة ضوابطها وتدقيقاتها وتحرصاتها الأخلاقية. وبعد أن كانت المعلومات متشددة ونادرة أصبحت الآن سيولاً، بل طوفان، اختلطت فيها المعلومة بالإشاعة بالاختلافات، في كل شيء وشأن.من هنا يبدو الطوفان نوعاً من جنون لأن سيئاته تحطم حسناته ولا بد له من ضوابط تعقل جنونه وتجاوزاته والتخفيف من أن يكون مطية لعالم الدعاية المضلل الظلامي وعالم الإعلان وثقافة الاستهلاك التي تحول الإنسان إلى كائن شهوي وأكال. وترلم تعيد كما كل المعيدات..وأحجم هذا العيد العنيد المكابر، أن يكون عيداً..إذ هجرت الأيام بهجتها..ولم يبق سوى هذا السهد ووسوم الدمع..وإناء كحل خاو.. وألوان تبهت بألم يتجدد..وأقمار سماوات تنأى..وعناق أبدي بين موج بحر و«سيف» الحكايات..