فصلُ الخطاب في رنينِ الألقاب
كلما أردتُ أن أتجاوز عبارةَ أبي حنيفة الشهيرة، فرضَت العبارة نفسَها مرة أخرى. ماذا تفعل وأنت تسمع وتشاهد وتقرأ كل يوم ما يضطرك إلى أن تمدّ رجليك ولا تبالي! سأكتفي هنا بمثال واحد: قبل أيام، وفي معمعة الأحداث الساخنة التي تمر بها المنطقة العربية، أطل من شاشة إحدى الفضائيات العربية رئيس أحد مراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية الموجودة في ما وراء البحار، وعندئذ طفت عبارة أبي حنيفة على سطح الذاكرة من جديد. قلة هم الذين يعرفون طبيعة عمل تلك المراكز. مع ذلك، يُفترَض أن يكون لها دور في إنتاج المعرفة، واستقراء المستقبل، ورسم الاستراتيجيات، وتقديم الاستشارات لصنّاع القرار. هذا هو المتوقع، وإن كان بعضهم يتحفظ على الدور الاستشاري الباهت أو المعَطَّل لبعض تلك المراكز. ويمكن استثناء مراكز الأبحاث والدراسات العلمية في الطب والزراعة والعمارة وبقية الاستشارات التي لا علاقة لها بالسياسة. أما مراكز البحوث والدراسات السياسية والإستراتيجية، فإننا نشاهد، وبشكل يومي، بعض رؤسائها وخبرائها ومستشاريها على القنوات الفضائية بحكم الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة. ولا يوجد كالأزمات وسيلة لفرز المواقف، وسبر أغوار النفوس.قلة هم الذين يعرفون طبيعة عمل تلك المراكز. مع ذلك، يُفترَض أن يكون لها دور في إنتاج المعرفة، واستقراء المستقبل، ورسم الاستراتيجيات، وتقديم الاستشارات لصنّاع القرار. هذا هو المتوقع، وإن كان بعضهم يتحفظ على الدور الاستشاري الباهت أو المعَطَّل لبعض تلك المراكزهنا سأعود إلى صاحب الإطلالة البهية، فقد كان يرشح أناقة ما بعدها ولا قبلها. بذلة زاهية، وربطة عنق أزهى. ولقب علمي «يخبُّ» عليه. كل شيء عنده متناغم إلا عباراته، وكل شيء أنيق ولامع إلا أفكاره واستنتاجاته. وما أن أكمل كلامه حتى قفزت إلى الذاكرة عبارة أبي حنيفة، وانهمرت الأسئلة التالية: ما صلة اللقب العلمي الرنان بحامله؟ وهل تطبق المؤسسة التي يعمل لها مبدأ «أعط القوس باريها»، أم مبدأ «مشّي حالك»؟ وهل تَغَلَّب تفكيره الرغبي المؤدلج على الموضوعية التي ينبغي أن يتحلى بها العالِم؟ وهل هو من دكاترة الشهادات الوهمية، أم أنه متناغم مع توجه القناة المضيفة؟ وأخيرا، أية توصية مستنيرة يمكن أن يقدمها هذا الضيف الفضائي لصانع القرار؟ والآن لندع مراكز البحوث والدراسات جانبا، ولنفترض، ولو على سبيل الدعابة، أنك قد رُشّحْتَ لوظيفة مشابهة في مؤسسة خارج الحدود تنعم بإمكانيات ضخمة، وميزانية عالية، هل سترفض موقعا مميزا كهذا؟ كأني بك تقول: «قد لا أكون مؤهلا لشغل ذاك الموقع، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه»! أقدر لك تواضعك ونظرتك الواقعية، لكني سأقترح عليك أن تشاهد بعض أصحاب الألقاب الرنّانة الذين يطلّون علينا يوميا عبر القنوات الفضائية العربية، وسوف يزول التردد، وتتلاشى أسباب الرهبة، وستقتنع أنك «قدّها وقدود»، وإذا لم تكن كذلك فلستَ أول شخص غير مناسب يوضع في المكان غير المناسب. هنالك مغريات كثيرة كفيلة بتبديد غيوم حيرتك. فقد تكون المؤسسة شرق أوسطية، لكن مقرها في أوروبا أو أمريكا مثلا. أي أنها في بيئة ثقافية واجتماعية نموذجية. كل وسائل البحث وأدواته وشروطه ومناخاته متوفرة. ناهيك عن بقية الامتيازات الأخرى كالراتب والبدلات والدعوات والمؤتمرات، وفنادق خمس نجوم، وتذاكر سفر درجة أولى، والماء والخضرة والوجه الحسن.. «مشّي حالك»!مع ذلك، ينبغي أن نترك للتفاؤل أو (التشاؤل) مساحة فنقول: لعل تلك حالات نادرة، أو هذا ما نتمناه. ومن المؤكد أن بين منسوبي تلك المؤسسات، أيا كانت طبيعة عملها، كفاءات عالية جادة ومنتجة، إلا أنها قابعة في الظل، وتعمل بصمت بعيدا عن أضواء الكاميرات وثرثرة الفضائيات.