د.محمد حامد الغامدي

السّؤال الفاجعة

 في بداية الصيف.. بدأت الكتابة عن السّفر والمُسافرين.. رحلة عبر عمق الجذور.. إلى كنوز أوضاع الماضي.. أنقل تجربة عايشتها.. عبر مراحل..  تحمل معالم قريبة.. شكّلت قوالب جميع الآباء.. مازال البعض بيننا.. كـ (مكتبات) شامخة.. تروي أحداث معاناتهم.. لـ(من) يستمع .. عبرة ودرس.. رؤية ومنهج.. مقارنة وتحفيز.. إدارة وسلوك.. انسان وبيئة.. تطلعات ونتائج.  الهدف ليس تضييع الوقت العربي.. هو ضائع بطبعه.. لكن هناك محور المعاناة.. الكل يشتكي.. فهل حولنا الشّكوى إلى علم جديد؟!.. هل  يصبح.. علم الشّكوى.. علما عربيا صرفا؟!.. ليش لا.. نحن نشتكي من كل شيء.. حتى من أنفسنا.. ومن أفكارنا.. وتصرفاتنا.. وسلوكنا..قصة أبي أرويها لكم.. تحمل بعض الإجابات.. لها جوانب مضيئة في ظلام أوضاع الشباب.. جيلي (قصّر) حتى ضل الطريق.. جعلنا الشباب ضحية.. رغم تعلّمنا.. رغم امكانياتنا.. رغم غنانا.. وفي ظل (تنظير) لم يتوقف عن اعطاء الوعود.. أصبحنا أمام هذه الأجيال أقرب إلى الكذب.. والخداع.. والنفاق.. والدجل.. أقرب منه إلى الصدق والمسئولية والوفاء بما نقولنسعى لـ(سرد) مشاهد مضت.. بهدف التحفيز.. والإصلاح.. والمراجعة. من جعلنا شكّائين؟!.. (نشتكي) لأننا  نتطلع إلى حياة أفضل.. آباؤنا كانوا (يعملون) لأنهم يتطلعون إلى حياة أفضل.. هذه العلامة الفارقة التي يجب توضيحها.. معاناة الفقر والحاجة مستمرة بين الأجيال.. لن تتوقف أو تنتهي.. معاييرها تختلف وفقا للظروف. ما الشيء الذي لا يتغير بين الأجيال؟!.. (الحُب) لا يتغير بتغير الظروف.. (العاطفة) أيضا.. كذلك المسئولية.. النظرة العقلانية ثابتة بـ(قيمة) ومعيار.. تؤثر في المستقبل بشكل ايجابي.. إذا كانت الظروف تتغير.. فإنها كنتيجة تؤثر سلبا أو إيجابا.. الإنسان محور لا يتوقف دورانه.. لكنه يشكل انسياب الدوران وانتظامه بمنهجه في الحياة. أنظر حولك.. بيننا ملايين البشر من الضيوف.. بسحنات ولغات وثقافات مختلفة.. مُسافرون.. من أجل تحسين مستوى معيشتهم.. من أجل اعداد أبنائهم للمستقبل.. كذلك نعمل نحن أبناء البلد.. لنفس الهدف والتطلعات.. نسعى للحصول على نفس النتائج.. وتلك حبكة حكاية الإنسان.. الكل في جبهة الحرب على الفقر والجهل والمرض.. حرب يجب عدم توقفها.  ظروف الفقر والفاقة التي عاشها أبي كانت سائدة.. كان القليل من المال يكفي.. يعني تدنّي مستوى المعيشة ومتطلباتها.. وضع معه كان ذلك القليل.. مع القناعة.. يحقق الحياة الكريمة.. والكرامة والعزّة.. والمستقبل الأفضل.. رافعين شعارا لتحقيق سلامة عيشهم قائلين: التوفير في التدبير.. نظرية نتاج التجربة وتراكم الخبرة.. نظرية صالحة لكل زمان ومكان.. وكانت حكمة المُسافر أينما حل وارتحل. كان سفر الجميع تفعيلا لتلك النّظرية.. إلى منابع البترول.. كالجراد النّافر من حاضناته.. بحثا عن حياة جديدة.. وصلوا (عُمّالا) بسواعدهم.. وعقولهم الشّابة.. يبحثون عن عمل لا يحتاج خبرة.. (عُمّال) بكل المعاني والشروحات.. ماذا تقول أجيال اليوم أمام مشاكلها؟!.. وقد أصبحت بلادهم غنية بالمال والأعمال.. وقبلة النّاس بحثا عن الرزق.. ماذا يقولون والبطالة ومشاكل السكن تأخذهم في سفر المعاناة والضجر والخيبة وسط معالم المال والأعمال؟! كأن طريق البطالة وغلاء أرض السكن لن ينتهي.. هل لأن المسئول لم يعرف السّفر؟!.. أم لأنه تجاهل معنى السفر بعد غناه؟!.. هل طريق الإجابة شاق؟!.. ستأتي الإجابة ولو طال الزمن.. هل ستأتي في الوقت الضائع وبعد اهدار الفرص؟!.. كيف سيروي أبناؤنا قصص حياتنا؟!.. ذلك هو السؤال الفاجعة. قصة أبي أرويها لكم.. تحمل بعض الإجابات.. لها جوانب مضيئة في ظلام أوضاع الشباب.. جيلي (قصّر) حتى ضل الطريق.. جعلنا الشباب ضحية.. رغم تعلّمنا.. رغم امكانياتنا.. رغم غنانا.. وفي ظل (تنظير) لم يتوقف عن اعطاء الوعود.. أصبحنا أمام هذه الأجيال أقرب إلى الكذب.. والخداع.. والنفاق.. والدجل.. أقرب منه إلى الصدق والمسئولية والوفاء بما نقول.. أي جيل نحن؟!.. هل نحن خبث لم نحسن إدارة مواردنا وتوزيعها بشكل عادل؟!.. سفر أبي وبقية الآباء أسس لجيلي غنائم عُليا وحياة كريمة.. هل أنستنا واجباتنا تجاه اجيالنا الحاضرة والقادمة؟! بالمقارنة.. في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.. غادرت أجيال البلاد.. ولأول مرة.. بحثا عن الحياة الأفضل.. غادرت مشيا على الأقدام.. أطلقوا على أنفسهم اسم (السّفرية).. السّفري اسم لـ(فرد) يغادر ديار جذوره ثم يعود.. ثم يسافر.. ثم يعود.. وهكذا في تتابع وجدولة سنوية مستمرة.. لكن (المهاجر) يذهب ولا يعود.. ذلك هو الفرق.. هذا التعريف مهم لفهم بعض المشاهد في المقالات القادمة.. هذا التعريف يوضح أن الأغلبية من سكان المملكة كانت مُسافرة.. هذا يعني تمسكنا بهذه الأرض في أقسى ظروف الحياة المجدبة.  عالم الأسفار مليء بكل المحفزات.. ولكل مبتغاة.. سمعوا عن المقاطعات الشرقية.. كان الاسم السائد للمنطقة الشرقية.. كان الداخل مفقودا والخارج مولودا.. الصحاري تحف بها من كل جانب.. الضياع بين كثبان رمالها يعني الموت المحقق.. ولكن أخبار من نجحوا بالوصول إلى (الظهران) تصلهم.. يفرحون ويأملون.. ويستمر السّفر بعنوان آخر.