حقيقة التواطؤ الدولي
قليلة هي المرات التي تطرقت فيها للشأن السوري، وتطورات الوضع هناك، لا لشيء إلا لان طبيعة المسألة السورية تتصاعد بوتيرة سريعة تفوق قدرة المراقب على استيعاب ما يحدث، و لأن الوضع على الأرض موجع إنسانياً بالنسبة للسكان المدنيين، ومعقد تنظيمياً وعسكرياً بالنسبة للأطراف الداخلية المتصارعة التي تخوض اليوم حرباً أهلية حقيقية. والوضع السوري في ذات الوقت يخضع لمرحلة مراجعة «بطيئة» بين الأطراف الاقليمية والتي اعتادت استخدام بدائل تتناسب مع المرحلة التي وصل إليها الصراع حتى الآن. وتزداد الأمور تعقيداً بخروج بعض خيوط اللعبة عن أيدي بعض الأطراف الإقليمية و تراجع قدرة أطراف اقليمية أخرى على التأثير الذي يعني تغيراً ملموساً على الأرض. باختصار شديد الحرب الأهلية الدائرة في سوريا تمثل حالة نموذجية دراسية لمن يريد التمعن في أحد معاني الصراع الدولي. في المرحلة الحالية من الصراع على الأقل هناك أطراف معروفة تقوم بدور«الممكن» لا أكثر. وفي المعتقد أن هذا الدور يصعب تجاوزه في المنظور القريب لاعتبارين أساسيين هما، الشراسة غير المتوقعة التي أظهرها النظام حتى الآن،و التبني المعلن لموقف النظام اقليميا من الجانب الإيراني ودولياً من الجانب الروسي، وما يترتب على الدورين من دعم اقتصاديمن المؤكد أن هذه القوى تسعى على أكثر من صعيد لإعداد الرموز المناسبة لقيادة المرحلة القادمة بهدوء يتناسب ونظرتها الاستراتيجية للأمور، مع السعي الحذر بان لا يفسد كل ذلك التحرك على أهميته وحساسيته علاقاتها مع الأطراف الدولية الأخرى لأن سوريا وما يحدث فيها لن تكون آخر بؤر الصراع التي يلتقي فيها الخصوم الدوليون.وعسكري وسياسي وإعلامي غير مسبوق. وأعتقد أن أي مقاربة أخرى تحاول تبسيط ما يحدث في سوريا قد تفوت علينا فرصة القراءة الواقعية المبنية على المعرفة الأكثر نضجاً والمدركة لأهداف ورغبات ومصالح القوى الدولية. هل من الممكن ان نصف مايحدث في سوريا تواطؤ دولي على هذه الأرض وعلى هذا الشعب وعلى هذه الأمة. إن من مساوئ هذا الاختزال استفزاز مشاعر ملايين العرب والمسلمين، وتوسيع الهوة بين الوعي والتأجيج الايديولويجي، الإنسان العربي يعيش حالة غير مسبوقة من الإحباط الجماهيري ولا اعتقد انه بحاجة إلى جرعات إضافية، ولا أزعم أن الاقتراب من حقيقة الأمور سيغير الكثير في هذه الحالة ولكني اعتقد أن فهما واعيا خير من فهم وإدراك قريبين من العمى. إذاً ما الذي يجب أن يحدث في سوريا لكي تقف اسطوانة التواطؤ؟ أولاً، يجب أن تقف الحرب، ويجب أن نقلل من حجم هذا العذاب المجاني للمواطنين السوريين، وكل ذلك يتحقق عندما تتحرك قوة لديها القدرة على منع النظام من الاستمرار في قتل السوريين، وفي نفس الوقت لدى هذه القوة الآلية المناسبة لإجباره على الرحيل. هذه القوة يتطلب أن تكون لها مواصفات. بشرية وعسكرية، ويجب أن تعمل لتحقيق أهداف محددة. ويجب أن تحصل على ثمن للخسائر المتوقعة بين رجالها وعتادها. و هذه القوة موجودة،و هناك من لديه القدرة على دفع الثمن المادي وربما السياسي، فلماذا لا تتحرك هذه القوة القادرة على تغيير الوضع على الأرض؟ هل لان مصالح هذه القوة أو القوى المساندة لها، في سوريا ثانوية؟ هل لان تكلفة التسريع بالتغيير قد تكون بثمن يصعب دفعه؟ وهل تتخوف هذه القوة القادرة والمتظاهرة بالتباطؤ من نصرة جماعات قد تناصبها العداء يوماً ما، القوى القادرة على تغيير الوضع في سوريا لديها احترازات، وتجارب كراهية في غير منطقة من عالمنا، ولا يسعدها زيادة عدد الكارهين، هذه القوى وإن حاولت أن تمثل الحيادية في طرحها المعلن وتحدثت عن نيتها بدعم ديمقراطية دستورية مستقبلية في سوريا، فذلك كله من البراءة والمثالية السياسية غير المعهودة، لأنه من المؤكد أن هذه القوى تسعى على أكثر من صعيد لإعداد الرموز المناسبة لقيادة المرحلة القادمة بهدوء يتناسب ونظرتها الاستراتيجية للأمور، مع السعي الحذر بان لا يفسد كل ذلك التحرك على أهميته وحساسيته علاقاتها مع الأطراف الدولية الأخرى لأن سوريا وما يحدث فيها لن تكون آخر بؤر الصراع التي يلتقي فيها الخصوم الدوليون.