اسمعوا وعُوا !
تحتل (يجب وأخواتها) موقعا مميزا على خارطة خطابنا اليومي، فتتصدر مقالات الكتَّاب، وخطبَ الوعَّاظ، وتوجيهات الآباء، ونصائح المربين، وتعليمات المؤسسات الرسمية. وهكذا تبدو حياتنا ممتلئة إلى حد التخمة بوجبات من (اليجبات) على طريقة «اسمعوا وعُوا». وصايا تجوب المحيط الاجتماعي دون أن تترك فيه أثرا ملموسا. يتلقى المستهلك تلك الوصايا بطريقة آلية، ويهز رأسه بشكل امتثالي مؤقت، ثم «تعود حليمة إلى عادتها القديمة»! نعم، يكاد يكون تأثير تلك (اليجبات) وقتيا. فالأمر شبيه بمشاهدة شاب متهور لحادث مروع على الطريق السريع، يؤثر الحادث فيه للحظات، وما أن يتجاوزه حتى يعود إلى سيرته الأولى في تجاهل أصول السلامة، ومخالفة أنظمة المرور.لماذا نجد الانضباط واحترام القوانين في بلدان أقل استهلاكا لهذين الفعلين الصارمين؟ التوعية ضرورية إلا أن الأساليب المستخدمة لإيصالها متخلفة. وفي غياب الرادع تذهب الوصايا مع الريح. وسيوجد دائما من يصغي إلى ذلك الأسلوب الإنشائي الوعظي ويهز رأسه اقتناعا وإعجابا. لكن، ما أن ينفضَّ السامر حتى تتبخر من الرأس تلك (اليجبات) . المفارقة الأدهى هي ألا تجد لهذا الفعل الصارم (يجب) أثرا حتى على سلوك وتصرفات أولئك الذين يجلدون به أسماعَ الناس يوميا بأسلوب إنشائي مجلجل. لقد أصبح ذلك الأسلوب الطنان جسرا للنجومية، ووسيلة للظهور على الفضائيات، ورافدا سهلا للإثراء، ومادة لتأليف الكتب الأقل فائدة والأكثر انتشارا وربحية. فإذا ما تصفحت تلك الكتب وجدتها شبيهة بالمواعظ التي حاكت أسلوبها الإنشائي الكاتبة دانييل ساليناف بطريقة ساخرة في قولها: «أيتها الفتيات تزوَّجن.. أيتها العجائز فكّرن في الموت»! هل يوجد ما هو أسهل من ذلك؟ ألا تستطيع أن تنسج على ذلك المنوال، فتملأ رفوف المكتبات بمؤلفاتك؟ وهل يمكن أن نصنع مستقبلا بمثل تلك الكلمات؟ وهل تستطيع تلك الوصايا أن تخدم هدفا تنويريا، أو تصنع وعيا اجتماعيا. أو تمارس نقدا ذاتيا، أو تقوّم سلوكا معوجا، أو تصحح ممارسات خاطئة؟ في لقطة من فيلم «أجنبي»، يركن أحدهم سيارته لمدة لا تزيد على خمس دقائق في موقف خاص بذوي الاحتياجات الخاصة، فيحصل على بطاقة مخالفة. ويحاول الرجل أن يشرح لرجل المرور أنه لم يلاحظ اللوحة، وقد كان صادقا، ورجل المرور يعرف أنه صادق، لكنه يبتسم له قائلا: «أتمنى لك نهارا سعيدا.. سيدي». يعني بعبارة أخرى: لا تحاول فالمخالفة لن تلغى، والقوانين لا تقرأ النوايا، بل تحاسب على الأفعال. بعد أن ينصرف الشرطي، تقول الطفلة البالغة من العمر سبع سنوات لأبيها: «لقد خالفتَ القانون يا بابا». فيقول الأب: «نعم يا عزيزتي لقد خالفتُ القانون دون قصد»! اعتراف الأب لابنته بمخالفته غير المقصودة للنظام يكرس لدى الطفلة منذ الصغر احترام القوانين والأنظمة. أما حزم رجل المرور فيختصر كل (اليجبات) التي تكتب لكي تُخالَف بقصد وبغير قصد. أليست لغة القوانين الواضحة أقوى وأصدق إنباء من (يجب وينبغي) وأخواتهما؟ لا يوجد محيط اجتماعي يستهلك فعلي (يجب) و(ينبغي) وتوابعهما كالمحيط الاجتماعي العربي والإسلامي. وصايا حفظها المستهلك، وصار ينافس في حفظها المسوّق. وصايا تسمعها وتراها أينما يمَّمتَ وجهك. فقد اجتُرَّتْ حتى استُهْلِكتْ، واستُخدِمتْ حتى بَلِيت.. «وحتى سامها كلُّ مفلسِ»! فلماذا، إذن، لا تترك تلك (اليجبات) أثرا على ممارسات وتصرفات الناس؟ ولماذا نجد الانضباط واحترام القوانين في بلدان أقل استهلاكا لهذين الفعلين الصارمين؟ التوعية ضرورية إلا أن الأساليب المستخدمة لإيصالها متخلفة. وفي غياب الرادع تذهب الوصايا مع الريح. وسيوجد دائما من يصغي إلى ذلك الأسلوب الإنشائي الوعظي ويهز رأسه اقتناعا وإعجابا. لكن، ما أن ينفضَّ السامر حتى تتبخر من الرأس تلك (اليجبات) .