حسن السبع

يا أبيض.. يا أسود !

كالعادة، لا يقف الشعر، كما هو شأن السياسة، في منطقة وسطى. ولا يقبل بفن العمل في حدود الممكن، حسب تعريف الزعيم بسمارك للسياسة. ولا ترضيه التسويات أو أنصاف المواقف والحلول، ولا يعجبه العيش في المناطق الرمادية، وهذا ما يفسر قول الشاعر: «أنا يقتلني نصفُ الدفءِ، ونصفُ الموقفِ أكثر». وما أكثر المواقف المبهمة المغلَّفة بعبارات مخاتلة لا تجبر كسرا، ولا تقوّم اعوجاجا، لكنها تقال للاستهلاك، وتأجيل ما لا ينبغي تأجيله، فهي زادٌ من البالونات اللغوية الملونة لمن يقتات على الكلمات.لا تسمي لغة «نصف الموقف» الأشياء بأسمائها، فهي لغة زئبقية مراوغة تتحدث عن كل شيء عدا الشيء الذي يفترض أن تتحدث عنه. وكذلك هي العبارات الفضفاضة التي تقول كل شيء، ولا تقول شيئا في الوقت نفسه. تعطيك القمر بيد والشمس باليد الأخرى، ثم تتركك في ضيافة الغموض ورعاية العتمة.دعونا نطرح مثالا بسيطا مقتبسا من حياتنا اليومية، ومع ذلك يمكن تعميمه على المستوى الفردي والاجتماعي والسياسي: يرغب الابن في الحصول على موافقة أبيه ليشارك في رحلة مدرسية، فيسأل أباه قائلا: «بابا.. هل أستطيع أن أشارك في الرحلة؟» فيرد الأب: «نشوف». فيعيد الابن طرح السؤال مرة أخرى، فيقول الأب: «يصير خير»، فيكرر الابن سؤاله مرة ثالثة، وفي كل مرة يحصل على إجابة تجعله معلَّقا في الفراغ. كان الابن ينتظر من أبيه إجابة محددة وواضحة. «نعم» أو «لا»، «يا ابيض.. يا اسود»، وليس إجابة تتركه عائما في فضاء رمادي.  لا تسمي لغة «نصف الموقف» الأشياء بأسمائها، فهي لغة زئبقية مراوغة تتحدث عن كل شيء عدا الشيء الذي يفترض أن تتحدث عنه. وكذلك هي العبارات الفضفاضة التي تقول كل شيء، ولا تقول شيئا في الوقت نفسه. تعطيك القمر بيد والشمس باليد الأخرى، ثم تتركك في ضيافة الغموض ورعاية العتمة، كونها تحتمل أكثر من دلالة، وقد يؤولها كل طرف لصالحه.. لذلك فإن اللغة المواربة لا تصلح للبت في قضايا يحتاج حلها إلى شفافية عالية تضع النقاط على الحروف، وتسمي الأشياء بأسمائها. هنالك من يعتبر «نصفَ الموقف»، والأسلوبَ الزئبقي المراوغ، والعباراتِ الفضفاضةَ المغلَّفةَ بالغموض، شكلاً من أشكال الكياسة والحكمة. وهذا اعتقاد متهافت ولا أساس له.. لأن ذلك أقرب إلى سلوك الشاطر أو (الفهلوي)، أما الكيّس أو الحكيم فلا يخشى مواجهة الحقيقة. بل يرى في نصف الموقف والكلمات المبهمة شكلا من أشكال الهروب وليس المواجهة.   قد يكون «نصف الموقف» في ظل بعض الظروف علامة من علامات الضعف. وليس دليل حنكة أو دهاء. دعونا، مرة ثانية، نطرحْ مثالا آخر: حين يتحاور طرفان في محيط اجتماعي أو مناخ ثقافي مسيَّج باللاءات والخطوط الحمراء، فإن الطرف الذي يمسك بالعصا من وسطها يمثل الحلقة الأضعف. ذلك أنه لا يستطيع التعبير عن نفسه بصوت عال، وكلمات صريحة واضحة، كما يفعل الطرف المتناغم اجتماعيا وثقافيا مع ذلك المحيط. إن الحوار، والحال هذه، ليس متكافئا، وبسبب ذلك تتشكل أنصاف العبارات، وأنصاف المواقف، وتبقى القضايا معلقة، وإن بدا المشهد ورديا. وبديهي أن يغادر الطرف الأضعف طاولة الحوار، وفي نفسه شيء من «حتى» ذلك المسكوت عنه!  لا عجب، إذن، أن تنتهي الأمور أحيانا بالعودة إلى المربع الأول. وأن تظل كثير من القضايا معلقة أو مؤجلة، أو مدفونة تحت رماد المسكوت عنه. وفي أجواء تسودها المداهنة، وتنقصها الشفافية، غالبا ما تصاغ الحلول بعبارات حمَّالة أوجه. وذلك شبيه بـ»استهلاك ما لا يبين»! حسب تعبير الكاتب الروماني إميل سيوران.