تجنيات «آلة» الرجم..!
لا شيء..كل شيء خرب ومتدنٍ وسيئ.. ولا حياة كريمة، لا توجد خدمات صحية ولا تعليم ولا جامعات ولا طرق ولا كهرباء ولا جسور ولا نظافة. موظفون سادرون ووزراء نائمون، والناس تأكل بعضها.. ولا عدل ولا حراك ولا ثقافة ولا صحافة ولا حرية..لا شيء.. لا شيء..هذا ما يمكن تخيله حينما تقرأ، ليس لكاتب واحد، وإنما لكتاب كثيرين في صحفنا المحلية.أين يعيش الكاتب الكريم المهيب ؟.. في بيانغ يانغ حيث بلاد العم «كيم جون أون» الذي يهدد، من حين لآخر باشعال حرب مع الولايات المتحدة لحماية الرفاق الاشتراكيين، بينما لا يستطيع حماية الكوريين الشماليين من الجوع الذي كاد يفتك بهم، لو لم يبادر الأمريكيون أنفسهم وآخرون إلى امدادهم بالطعام والمساعدات.أم يعيش الكاتب، الكريم العظيم المهيب، في الصومال، حيث البلاد مقسمة بنظرية «الكعك» بين أمراء الحرب وأمراء المال وأمراء الاتاوات، والذي لا يملك بندقية، هناك، لا يمكنه تأمين عشاء ليلته. وأصبحت قرصنة السفن العابرة مهنة مبجلة ومتباهية.أم يعيش الكاتب، الكريم العظيم المهيب، في المكسيك، حيث كارتلات المافيا والجريمة المنظمة تسيطر على البلاد وتوجه الحكومات ويعقد المسئولون صداقات معها لحماية رقابهم.أم يعيش في مرابع كاسترو حيث لا شيء تقريباً، سوى خطابات الرفاق ووعودهم للكوبيين بسكنى الجنان الاشتراكية. وحتى لا يوجد أي مستقبل هناك. ويفر الكوبيون من بلادهم كما تفر الطيور من أقفاصها، ولا ينوون العودة، بل مستعدون لتقبل كل أنواع الهوان، وإذلالات فلوريدا، على ألا يعودوا إلى شواطئ خليج هافانا.الكاتب، الكريم المهيب الفهيم، لا يعيش في أي من هذه البلدان.. يعيش هنا. في المملكة، ويتمتع، وأحياناً «يترغد» بكثير من الخدمات، في عمومها راقية، أحياء وشوارع وطرق واتصالات ومواصلات وصحة ونظافة ومياه وتعليم وجامعات. وهذه قد تعتري بعضها أخطاء ونقص. غير أن هذه الأخطاء والنواقص، ليست مبرراً لجحدها وإلغاء كل إنجاز من الوجود أو رفض الاعتراف به بمزاجية عنجهية متخلفة وجاهلة.والمبرر الوحيد لنغمة الجحود هو أن كاتبنا الكريم العظيم المهيب الفهيم، تتلبسه حالة من السوداوية البالغة العصبية حينما يواجه مشكلة. أو أنه مدلل، فإذا لم يحصل على خدمة كما يريد «يهدم المعبد».. ويحكم على كل شيء بأنه لا شيء.!لست أدافع عن الأخطاء ولا البيروقراطيات، ولا الفساد ولا السلبيات، وأنا أول من يكتب عنها ويدينها، لكن وددت لو تختفي هذه السوداوية ولغة الجحود، وأن يحل محلها النقد الحازم الجازم. ليقل الكتاب أن لدينا خدمات وإنجازات، ليرجموا النواقص بكل «منجنيق» وبكل ما أوتووا من قوة وبأس، بينما لغة الجحود والتجني لا تعبر إلا عن قصور لدى الكاتب أن يكون واعياً أو حكيماً ومنصفاً. وإذا لم يتمتع بهذه الصفات، فهو ليس كاتباً، وإنما «آلة رجم».. فحسب..وترفي عينيك بحر وباكيات وحزن..وسماوات زرق..وعذابات صيوف..وشمس ووسن..في عينيك بيادق.. وصهيل خيل..وقامات إثل ونخيل.. عيناك لوحة تاريخ..ومراودك شجن.