قصائد دبي إلى «مُثير المتاعب» في تعبه !
بينما كان العالم العربي، يغرق، أكثر وأكثر، في مستنقع التشظي الطائفي، وانقسامه إلى فسطاط من أفاقوا على أن هناك شيئا يسمى «جهادا» بعد خمس وستين سنة من قيام دولة الكيان الصهيوني في فلسطين، وفسطاط من راحوا يعرون الوجه الطائفي لهذا الجهاد ،كان لأطفال دبي ، أو بعضهم، انشغال آخر أخذهم بعيدا عن حريق التراشق اللفظي بين الجهاديين الجدد وخصومهم، أو الحريق الأصل المستعر في سوريا الآخذ في التمدد الى خارج حدودها. الجميل واللافت في انصرافهم عمّا يجري في سوريا وما حولها، أنه أخذهم إلى ما يرشد إلى ما تحتاج الى مثله سوريا وليبيا والقاهرة وغيرها من العواصم العربية. لقد أخذتهم براءة الطفولة، ونقاؤها، الى نيلسون مانديلا، « مثير المتاعب» وقد أثخنه التعب وأسلمه الى السرير قبل أسبوعين. « مثير المتاعب» هو المعنى العامي لاسمه الأصلي «روليهلالا» كما يذكر في بداية سيرته الذاتية(Long Walk to Freedom). كتب أطفال دبي لمانديلا عددا من القصائد، وملأوا البطاقات بتمنيات الشفاء له والرسومات، وحملوها إلى مكتب القنصل العام لجنوب إفريقيا في دبي، سلموه إياها، طالبين أن يقوم بإيصالها الى مانديلا، مثير المتاعب الذي أثار المتاعب لنفسه ولخصومه العنصريين أثناء مسيرته النضالية، ولم يثرها للناس بعد أن اختارته الأغلبية أول رئيس أسود لجنوب افريقيا. خمس سنوات فقط قضاها مانديلا رئيساً ثم آثر الانسحاب بهدوء، وبمحض إرادته. لم يتشبث بالكرسي الى أن تثور الجماهير عليه، وتهدر حشودها الزاحفة في الشوارع «ارحل..ارحل»، أو الى أن يفهم متأخرا أنه شخص غير مرغوب فيه فيفر بطائرته باحثا عن ملاذ آمن، أو يسحبه ثائرون شرسون من «المجرى» بعد أن دمرت موكبه طائرات الناتو تحت جنح الظلام. أدار مانديلا ظهره الى كرسي الرئاسة رمزا، بطلا، ومناضل حرية، ولهذا أحبه أطفال دبي، كما أحبه ملايين الأطفال والكبار في جميع انحاء العالم، وكتبوا (أطفال دبي) القصائد والتمنيات وأرسلوها إليه، في نفس الوقت الذي كانت خلاله قوات الرئيس الهمام الوارث لعرش الجمهورية العربية السورية تشتبك في طول البلاد وعرضها مع المعارضة المسلحة،. صنع صغار دبي حدثا كبيرا يرشح بالمعاني والدلالات الإنسانية العميقة، وكان الخبر الأهم والأبرز ،في رأيي، في الجريدة التي يبدو أنها نشرته لعدم وجود خبر آخر تنشره في الحيز الذي شغله. ليس في كل يوم يكتب أطفال قصائد لمناضل حرية مثل مانديلا، وليس في كل يوم يخصص قنصل او سفير أو وزير جزءا من وقته لمقابلة مجموعة أطفال في المرحلة الابتدائية، يوكلون إليه أداء مهمة لهم. ليس في كل يوم يقع حدث كهذا في دبي أو غيرها. هل يكتب أطفال سوريا الآن قصائد حب للأسد ؟ لا أظن ! ليس هناك من كتب أو سيكتب عن هؤلاء، ومن يماثلهم في العالم العربي. قصائد الطفولة لا تحتفي بالطغاة، إذا لم يتدخل في كتابتها الكبار. أحب الأطفال، الشعراء الصغار، مثير المتاعب مانديلا المناضل الفريد من أجل الحرية الذي نذر نفسه وحياته للنضال ضد العنصريين وسياسة التمييز العنصري في وطنه. وعندما حملته أصوات الناس الى سدة الحكم لم يصب كبعض الحكام من حولهم في المنطقة العربية بداء «حب السلطة والتسلط» على الناس الى ان ينتزع المرض أو ملك الموت أجسادهم عن الكراسي. وضع أطفال دبي حبهم في المكان الصحيح، ووجهوا قصائدهم الى الطية الصحيحة. يستحق مانديلا قصائدهم ودعواتهم ورسوماتهم، ويستحقون استقبال القنصل لهم. هل كتب سراً بعض أطفال ليبيا قصائد رثاء في القذافي، او بعض أطفال تونس قصائد حب لزين العابدين بن علي؟ هل يكتب أطفال سوريا الآن قصائد حب للأسد ؟ لا أظن ! ليس هناك من كتب أو سيكتب عن هؤلاء، ومن يماثلهم في العالم العربي. قصائد الطفولة لا تحتفي بالطغاة، إذا لم يتدخل في كتابتها الكبار.