د. فالح العجمي

هل ننتمي إلى مجتمع المعرفة؟

ربما يجدر التنبيه إلى أن البشر عبر تاريخ الحضارات الإنسانية قلما نظروا بعين الرضا والارتياح إلى الفتوحات العلمية الكبرى في أي عصر يعيشون فيه. غير أنه في النهاية يقبلون نتائجها تدريجياً، ويدمجونها في حياتهم، بل وتصبح جزءاً من اقتصادهم ومنظومات قيمهم. ويبدو أن عناصر الرؤية الجديدة للعالم التي يسفر عنها مجتمع المعرفة تدريجياً لن تحيد عن هذه القاعدة؛ فالزمن وحده كفيل بتليين المواقف تجاهها. فقد قدمت البشرية عبر تاريخها الطويل ما يكفي من الدلائل على مقدرتها على السير بعيداً في فضاءات المغامرة، دون أن تثنيها بصفة نهائية عن ذلك لا أديانها ولا منظوماتها الأخلاقية ولا مذاهبها الفلسفية، ولا حتى قوانينها، فما الذي يمكن أن يمنعها هذه المرة أيضاً من مواصلة السير قدماً في مغامراتها الحالية؟ فإذا ألقينا نظرة سريعة على سجلات تاريخ «الرؤى الجديدة للعالم»، سنلاحظ أن جلها انبثق وتطور في أجواء أحداث تاريخية عظمى غيرت مجريات التاريخ، أو عقب ظهور ديانات جديدة، أو إثر اكتشافات جغرافية كبرى، أو خلال حدوث ثورات علمية وتكنولوجية نوعية جديدة، أسهمت في إحداث انقلاب كبير في كيفيات تصور الإنسان للوجود والحياة والعالم المحيط به. وكان من نتائج ذلك اضطرار الفكر والعقليات إلى التأقلم والتكيف مع سيرورة ما اعتُقد في حينه، أنه واقع جديد قيد التكوّن. اقتُرح مصطلح «مجتمع المعرفة» بديلاً لمصطلح «مجتمع المعلومات»، الذي عرف رواجاً ملحوظاً منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي. وكانت مناسبة هذا الاقتراح انعقاد مؤتمر قمة دول الاتحاد الأوروبي بمدينة لشبونة (في البرتغال) في مارس 2000م، ومعلوم أن هناك عاملين رئيسيين هيمنا على ظروف انعقاد هذا المؤتمر هما: بروز الأهمية الكبرى التي تكتسبها انجازات الثورة الرقمية في ميدان تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من جهة، وهبوب رياح ظاهرة العولمة من جهة ثانية. وقد وضع ذلك المؤتمر على رأس جدول أعماله مسألة التحضير للانتقال إلى مرحلة الاقتصاد القائم على المعلومات والمعرفة، ومن ثم إلى «مجتمع المعرفة». وعلى ما يبدو فقد كان المبرر المسوغ لهذا الاستبدال هو تجنب الاقتصار في مجالات التنمية البشرية على الاهتمام فقط بالأبعاد التكنولوجية والاقتصادية، والحث على توسيع دائرة الاهتمام، لتشمل أبعاداً أخرى، اجتماعية وأخلاقية وسياسية، يُفترض أن مصطلح «مجتمع المعرفة» يتضمنها.نظن بأننا تعصْرنّا، عندما نهيئ المكاتب والمنازل بأجهزة حديثة؛ هي نتاج الثورة الرقمية في ميدان تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وننسى أن المستهلك ليس منتجاً أو مشاركاً في وجود الوسيلة أو استمرارها؛ اقتصر دورنا على فلسفة تسليم المفتاح، وهي شيء مغاير للتقدم أو التفاعل مع العصروُلد «مجتمع المعرفة» من رحم الحقبة المعاصرة بالتأكيد، فهو نتاج لتطور الثورة الصناعية الثالثة الموسومة بالثورة المعلوماتية. وتتميز هذه الثورة عن ثورتين سابقتين عرفتهما البشرية في الأزمنة الحديثة: الثورة الفلاحية التي تمتد إلى القرن التاسع عشر، والثورة الصناعية المتواصلة حتى بداية السبعينيات من القرن العشرين. أما تميزها فيتجلى في مواكبتها لظاهرة العولمة وفضاءاتها المفتوحة، وبصفة خاصة في اقترانها بظهور التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والاتصالات، التي تسهم حالياً بوتيرة سريعة في وضع أسس «اقتصاد المعلومات والمعرفة». فهل شاركنا في الثورتين الأوليين: الفلاحية والصناعية؟ لا، بالطبع لم نشارك، إلا من خلال القراءة عنهما في التاريخ، ولم نكن نرغب في التعلم منهم؛ خلافاً لهم، حيث تعلموا من المسلمين الأوائل ما استطاعوا به كسب التحدي في البناء الحضاري، الذي أقاموه في العصر الحديث. وهل شاركنا في هذه الثالثة (الثورة المعلوماتية)؟ في هذه الحقبة لم يكن استعدادنا كالسابق، بل كنا نرغب في المشاركة؛ لكن التعلم يحتاج إلى أرضية صلبة من إرادة الحياة، والتفوق في قدرات التحدي أمام الصعاب. وهذه ينقصنا منها الكثير؛ فما زلنا في هذه الحقبة، التي عرفنا فيها - نظرياً على الأقل - أن عدم المشاركة في ركب الحياة المعاصرة يجعل المجتمعات، دون ريب، تقبع في ربقة التخلف، نتبارى في التراخي عن الانخراط في مقومات حياة العصر، وننشغل بتوافه الأمور، التي نصورها على أنها أساس الهمة العالية، واحترام الذات الفردية والجمعية. نظن بأننا تعصْرنّا، عندما نهيئ المكاتب والمنازل بأجهزة حديثة؛ هي نتاج الثورة الرقمية في ميدان تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وننسى أن المستهلك ليس منتجاً أو مشاركاً في وجود الوسيلة أو استمرارها؛ اقتصر دورنا على فلسفة تسليم المفتاح، وهي شيء مغاير للتقدم أو التفاعل مع العصر. كما تتضح أزمتنا عندما نواجه مشكلات الصيانة، بل وحتى التشغيل، الذي تقوم به أيدٍ غير محلية في الغالب. ومع هذا النواقص كيف نظن بأننا ننتمي إلى مجتمع المعرفة؟