خليل الفزيع

عمل المرأة.. وتحديات الواقع

عندما يدعو أحدهم للتحرش بالنساء العاملات، بهدف منعهن من العمل، تغيب عنه قيم العدالة الاجتماعية التي حرمت منها المرأة بفعل الموروث الثقافي البعيد كل البعد عن تعاليم الدين الحنيف، كما تغيب عنه معطيات الحاضر التي أفضى إليها تقدم الشعوب وازدهار الحضارة، وما طرأ على منجزات العصر من تحولات لا مفر من التعامل معها بوعي ومسئولية، تمليهما المصلحة العامة للمجتمع والدولة، والظن بأن الحث على التحرش بالمرأة العاملة يمكن أن يمنعها من النزول إلى ميدان العمل، هو ظن أقل ما يقال عنه انه يشكل انحرافا مزاجيا حادا، كما يشكل غيابا تاما عن واقع الحال، فالمرأة العاملة لها أسبابها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأسرية التي لا يعرف مدى تأثيرها على حياتها إلا من عرفها عن قرب وعرف آثارها على الأسرة عموما وليس على المرأة فقط، و(حماية المرأة) لا تكون بعزلها عن مجريات الحياة العامة، ولا بالوصاية المطلقة عليها، ولا بالتصدي لقضاياها من وجهة نظر ذكورية منغلقة، ولا بمنعها من ممارسة دورها التنموي في البناء الوطني، ولا بحرمانها من الكسب المشروع لمواجهة مطالب الحياة وضغوطها القاسية، بل بتعليمها وتربيتها تربية سليمة، وتحصينها بالأخلاق النبيلة، ومنحها الثقة بالنفس، ورعاية تطلعاتها ومنجزاتها وطموحاتها للإسهام في بناء مجتمعها ووطنها، وخدمة دينها وأمتها.علينا ألا ننسى مسئولية الرجل في المحافظة على كرامة المرأة وشرفها وأخلاقها الحميدة، والتعامل معها باحترام وتقدير وفهم يتسم بالوعي في معرفة ظروفها، ودوافع عملها، فالنساء شقائق الرجال،وواجب الرجل حيال شقيقته لا يحتاج إلى تأكيد.الذين يقفون بحدة وشراسة في وجه عمل المرأة، ومنعها من ممارسة الوظيفة والكسب الحلال، إنما يطلقون صيحاتهم وهم في أوضاع معيشية وحياتية رخية، لا يعرفون فيها الحاجة إلى ما يؤمن لقمة العيش ويصون الكرامة ويقي من مذلة السؤال، فهم في حالة ميسورة وكرامتهم مصانة، وجيوبهم عامرة بالمال والحمد لله، لكن المرأة العاملة ليست بهذا المستوى من الترف، ويقيني أنها لا تنظر إلى العمل على أنه نزهة، بل هو بالنسبة لها جهد شاق لا بد لها من ممارسته، ومعه بيتها وأولادها وواجباتها الأسرية، وهي حالة لا تحتاج إلى مزيد من القسوة والإقصاء والتحدي السافر لطموحاتها في تحقيق حياة مستقرة لها ولأسرتها، ومعظم من يتصدى لعمل المرأة باسم الدين، إنما يتجاهل ما أوصى به الدين من توفير الحياة الحرة الكريمة للمرأة، وفتح آفاق التعليم الواسعة أمامها، وحمايتها من أسباب الوقوع في الخطيئة لا قدر الله، ولا شك أن عمل المرأة العلني، أفضل من خطئها في السر، وماذا يمكن أن تقدم عليه المرأة حين تحرم من مصدر الرزق الحلال!ليس كل النساء لديهن من يعيلهن، وليس كل النساء يمكن أن تحصل على وظيفة بمعزل عن الرجال، وليس كل النساء يمكن أن يعتبرن الوظيفة وسيلة للقضاء على وقت الفراغ فقط، وليس كل النساء يمكن أن يؤثر العمل على أخلاقهن سلبا، وها نحن نرى فتياتنا يتعاملن مباشرة بثقة واقتدار مع الرجال في الطب والتمريض، وهما الأكثر مباشرة في العلاقة بين المرأة والرجل، وكل الوظائف المتاحة لعمل المرأة في بلادنا هي وظائف علنية، لا مجال فيها للشك أو المزايدة على الأخلاق، وعلينا ألا ننسى مسئولية الرجل في المحافظة على كرامة المرأة وشرفها وأخلاقها الحميدة، والتعامل معها باحترام وتقدير وفهم يتسم بالوعي في معرفة ظروفها، ودوافع عملها، فالنساء شقائق الرجال، وواجب الرجل حيال شقيقته لا يحتاج إلى تأكيد، وأهم ملامح هذا الواجب هو منحها الثقة، وإتاحة الفرصة لها للعمل والكسب الحلال.وكما أن الطائر لا يحلق بجناح واحد، فكذلك المجتمع لا ينهض بعمل نصف أفراده وتعطيل النصف الآخر عن العمل، مع أن عدد النساء أكبر من عدد الرجال، ومهما حقق الرجل من المنجزات الوطنية، فإن مساهمة المرأة في هذه المنجزات سيضمن لها المزيد من النجاح والقوة والثبات والقدرة على مواجهة التحديات.