المستفزون.. «مخالب» الرأسمالية المتوحشة..!
أكثر ما يستفزني هم «خبراء» الإعلام، و«خبراء» الموضة والأزياء، بينما خبراء الاقتصاد، إلا قليلاً منهم، يخوفونني، لأنهم يتحدثون دائماً عن ازدهار للأثرياء وترويج باطني للفقر، وتركيع، واسع النطاق وفظ، للفقراء.خبراء الإعلام، «ربعنا» ومن «مضاربنا» وأعرف متى يتحدثون بحرفية لامعة ومتى «يخبصون» بجهل ظلمات طباق، ومتى «يهايطون». واستطيع تقييم خبراتهم وإبداعاتهم. لهذا يستفزونني حينما «يلخبطون»، ويمزجون الشامي بالمغربي، والبستواني بالصيني وحينما ينزلون بصفاء الملائكيات إلى دونيات أرضية وآثام.وخبراء الموضة يستفزونني لأني أرى «ضحاياهم» تسير على أقدام وتملأ خرائط الجغرافيا ومدن الدنيا وشوارعها. وأتباعهم يطرقون أرصفة الأرض ويسيرون في مناكبها، وهم يرتدون أعجب جنون الموضات وشذوذ الأذواق. وأحياناً يحيون سهرات تبدو أشد غرابة من كرنفالات «السامبا» الأمازونية الخالدة وشعوذات كهوف الانديز. واستثمر مصممو الموضات، على أوسع نطاق، المثل الذي يقول «لولا اختلاف الاذواق لبارت السلع». ومن هنا عقد المصممون حلفاً غير مبارك مع مصانع الملابس والأحذية والمستحضرات والاكسسوارات والحلي. وبدأوا يحولون الدنيا إلى سوق ضخم، يتجرع الناس، ملء أفئدتهم، كل التهويمات، ويدفعون، وهم صاغرون، اثماناً باهظة و«اتاوات» من دمائهم وتعبهم لميولات المصممين وحتى لوثاتهم وشذوذهم. وقد اعترف المصمم الفرنسي الشهير أيف سان لوران في أواخر حياته بشذوذه الجنسي، مع أنه، طوال نصف قرن، قد ألهب مزاجات الدنيا وشغف أفئدة النساء في كل مكان. وطغى حلف المصممين ورؤوس الأموال وتجبر حتى أخرج المارد، ديناصور ثقافة الاستهلاك وجبار «الرأسمالية المتوحشة» من القمقم.وتهيمن ثقافة الاستهلاك وتقبض على أرواح الناس وتستعمر عقولهم بشكل غير مسبوق في التاريخ، نظراً لثورة الاتصالات التي استثمرت التجارة كل نبضاتها وأنفاسها وكل دارة الكترونية تسبح في الفضاء أو تسري في الأرض.وهجر المصممون ضمير الإبداع الرسالي وأصبحوا موظفين لدى ثقافة الاستهلاك ومخالب لآلة الرأسمالية المتوحشة ليشاركوا في صناعة فنون الفقر واستلاب العقول في فجاج الأرض. خاصة بعد أن استولى كهنة الرأسمالية وأسواطها، على شركات بيوت الأزياء الأوروبية.وتوجد استثناءات يخفت صوتها في صخب المصانع الهدار، إذ يبدو أنه يوجد مصممون يتشبثون، حتى العياء، بنقاء الضمير والانحياز إلى الإبداع كلما أمكن. ويمكنني أن أضيف المصممة الكويتية هديل اشكناني إلى قائمة الأٌقلية هذه، بعد أن استمعت إلى بعض من بوحها في مقابلة تلفزيونية.وترسيدة الحفا.. تجافيها عروض ميلان..وواجهات النيون في المدن البهية..تتوسد، في ضفاف الوادي السحيق، غصن طلح.. وحصى..وتتلحف نجوم الله.يوقظها عياء طفل يتضور..وتتوسل..ودمع يشتعل: هاك ثدي الجفاف..وأحزاناً ملء الوادي والتواءات الدروب والحياة.