د. فالح العجمي

عيبي طيبة قلبي

 لله في خلقه شؤون، وللبشر في سلوكهم شجون .. مرت بي فترات لا أستطيع خلالها متابعة اللقاءات التلفزيونية على وجه الخصوص مع أغلب المشاهير، لأنها تصيبني بالغثيان، إذ لا منطق لدى أغلبهم، ولا مبادئ سلوكية تخفف من غلواء فقدانه. وذات مرة كنت على موعد رغماً عني مع حالة من ذلك النوع الثقيل. فقد كنا في صالة الانتظار المؤدية إلى البوابة، فانتظرنا طويلاً رغم تجاوزنا الوقت المحدد للصعود إلى الطائرة، ثم انتظرنا مرة أخرى في الطائرة دون سبب مقنع للركاب على أقل تقدير، ودون إعلان سبب ذلك الانتظار. عرفت بصورة ودية من أحد أفراد الطاقم أن كل هؤلاء البشر عليهم أن ينتظروا إلى أن تطل عليهم تلك المتعجرفة التي لم تنه بعد تسوقها في بعض محلات المطار. قلت لذلك الموظف، الذي لم يكن أقل منا انزعاجاً من تصرفها وتصرف الشركة الناقلة: هل سعر تذكرتها يختلف عن أسعار تذاكرنا، وبدرجات كبيرة؟ وإلا لا معنى لمجاملتها على حساب ركاب كثيرين سينفرون من التعامل مع هذه الشركة في مستقبل الأيام. قال: لا أبداً، بل ربما لم تدفع كما تدفعون. قلت: إذاً هذا منطق أعوج. بعد أن شرفت السيدة المحترمة على متن الطائرة، كانت الصدفة قدرت أن تكون بجانبي. وفي البدء شعرت بامتعاض من كوني مضطراً إلى تذكر ما سببت لنا في المطار طوال الرحلة؛ لكني استشعرت المسؤولية العلمية، بأن أستفيد من هذه الحالة ومن سلوكياتها في تقديم تطبيقات لطلابي في الدراسات العليا.وسائل الإعلام من إمكانات إتاحة الفرصة للمرأة في حضور المباريات. وكانت حجتها أن ذلك من الاختلاط، الذي لا ينبغي السكوت عليه في مجتمعنا. حدقت مرة أخرى في كرسيينا اللذين يبعدان سنتمترات معدودة بعضهما عن بعض، ورغم ذلك نتحاور برقي فيما أظن. ولم تكن هي - بالنسبة لي على الأقل - موضوع شبق جنسي. فرفعت عقيرتي: أرجوك! أنا اللي عيبي طبة عقلي! فتحينت الفرصة لفتح حوار معها، لعلها تفضي بالأسباب الفعلية لتأخرها وتأخير الناس معها، وربما تسبيب مشكلات أخرى لأناس لديهم رحلات متابعة، أو ينتظرهم أهلهم أو أصدقاؤهم. بل ما كان يهمني أكثر هو معرفة نظرتها لما فعلت، وإن كانت أصلاً ترى أن تأخيرها حدث غير لائق، وربما كان له أثره في الآخرين. لم يطل الوقت حتى بادرت بالحديث معي، مستفسرة عن بعض الأمور المتعلقة بطول الرحلة، ومحطات التوقف؛ وقد يكون لنوع اللبس الذي كنت أرتديه دور في مبادرتها بالحديث، لأن اللغة كانت مختلفة بعد أن تحول الحديث إلى العربية. فكان الموضوع مدخلاً جيداً للسؤال عن الحالة قبل الرحلة وبعدها. لم أكن أتوقع أن تسترسل في سرد تفصيلات الأعمال التي قامت بها في ذلك اليوم، وقد شعرت بأنها - ربما - تعاني من وحدة نفسية، بالرغم من كثرة من يوجدون حولها. لكنها - فيما يبدو - لا تتحدث معهم تعالياً أو لأنهم قد لا يفهمون معاناتها، وأبعاد مشاعرها. اكتشفت أنها بسيطة إلى حد السذاجة، لكن اللافت للنظر فيما قالت هو شكواها من استغلال الناس من حولها لثقتها بهم. بل وكررت العبارة الممجوجة التي سمعتها من بعض الفنانين والفنانات: «أنا عيبي طيبة قلبي»! طبعاً هذه تغطية على حماقات كثيرة؛ يريد فيها المرء أن يلقي بتبعات سلوكه السيئ وآثارها غير المحمودة على استغلال الناس لتلك الطيبة. كما أنها تعد مدخلاً ساذجاً لمديح الذات من خلال أوصاف مدرجة ضمن العيوب، حتى يبدو المرء وكأنه في غاية التواضع في ذكر مثالبه. أحسست بأن مثل هذه النماذج ضحايا مجتمع ترك أفراده يموضعون أنفسهم على سطح رخو؛ لا يحدد مكوناته معرفة بماهيته، ولا يملك الساكنون عليه ثقة بأنفسهم، وببقائهم مستقرين على وتيرة واحدة. كما أصبحت ضحايا لأسر تعيش حالة فوضى اجتماعية، مما يخلق توترات نفسية؛ حتى وإن ظنوا أنهم قادرون على التغلب عليها من خلال صرف الأموال في رحلات للأفراد من رجال ونساء، متى ما عنت لهم الرغبة في ذلك. لكن إحساسي لم يدم طويلاً، لأن نقاشاً قادني إلى أن أحدق في نفسي قبل أن تصدر مني ردة فعل تجاه ما قالت فيه. إذ كانت البوصلة قد اتجهت إلى ملاعب السعودية؛ وإذا بها تنكر ما تتناقله بعض وسائل الإعلام من إمكانات إتاحة الفرصة للمرأة في حضور المباريات. وكانت حجتها أن ذلك من الاختلاط، الذي لا ينبغي السكوت عليه في مجتمعنا. حدقت مرة أخرى في كرسيينا اللذين يبعدان سنتمترات معدودة بعضهما عن بعض، ورغم ذلك نتحاور برقي فيما أظن. ولم تكن هي - بالنسبة لي على الأقل - موضوع شبق جنسي. فرفعت عقيرتي: أرجوك! أنا اللي عيبي طبة عقلي!