اغسلوا أرجل مدرسيكم
بعد التخرج من المدرسة الثانوية ينحني الطالب الياباني، ولدي صورة تدل على ذلك، ليغسل قدمي معلميه تقديرا وإجلالا وإكبارا لجميل صنيعهم معه بعد أن حمل تذكرة العبور إلى الجامعة. هذا يحدث في اليابان التي بلغت من المجد التنموي والاقتصادي شأوا دانت له رقاب أسواق العالم كله. أما عندنا فقد قرأت في نفس اليوم الذي كنت أطالع فيه تلك الصورة اليابانية النادرة، تصريحا لطالب (عتوي) يعلن فيه لمدرسيه أنهم أمام خيارين: إما النجاح في الاختبار أو تكسير (مواترهم).!!وما بين الطالبين، الياباني الذي يغسل رجل معلمه والسعودي الذي يستل (العجرا) مهددا رأس معلمه وسيارته وحياته، تكمن ثقافة المجتمع وما تربى عليه من قيم وما وقر في نفسه من أثر قيمة العلم والعلماء على حياته. لقد تفوق اليابانيون أيما تفوق لأن أحد قياداتهم، حين سئل عن سر نهضة اليابان في وقت وجيز بعد نكبة الحرب والقنابل الذرية، قال: «بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم، ومنحنا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير». وأذكر أنني قرأت في كتاب: (كن يابانيا أصيلا) وصفا رائعا لتقدير اليابانيين للمعلم إلى درجة أن الطالب إذا كان يسير مع معلمه فإنه يتحاشى أن يطأ على ظله إجلالا لمكانته التي لا تدانيها في معتقدات الأسرة اليابانية سوى مكانة الإمبراطور. لذلك أو لهذا تقدموا جدا وتأخرنا جدا.. هم منذ عقود يشاركون في رسم اقتصاد العالم ويحركون منافذه وأسواقه بينما نحن نرفس في أغلال التنمية المتعثرة. كأنه لا يمكن أن نتعلم منهم كما تعلموا هم وباعترافهم من غيرهم.. والغريب أننا نظن، رغم قصورنا المزمن، بأننا نسكن قمم العالم بينما لا يزال اليابانيون يتواضعون ويغسلون أرجل معلميهم ومعلماتهم.. لقد أدركوا أن المجد تصنعه هذه (الرِّجل) المباركة.