د. مبارك الخالدي

قُدُور وأقدار !!

الأدوات والآلات جمادات لا تملك الإرادة والقدرة على اختيار إلى أي الجانبين تميل: جانب الخير أو جانب الشر، أو أن تكون وسائط لجلب منفعة أو لدفع ضرر. فالإبرة ، هذه الأداة الصغيرة جداً، قد يستخدمها شخص لرتق ردائه، أو ينخز بها شخصاً آخر فتؤلمه وتدميه رغم صغرها. تلك حقيقة، بديهية، غابت عن أذهان الكثير من الأميركان، ومنهم تلك السيدة التي اتصلت بمكتب التحقيقات الفيدرالية لتبلغهم أنها شاهدت جارها السعودي وهو يحمل قدر ضغط، في أعقاب تفجيري الماراثون في بوسطن. كانت نتيجة ذلك تعرض المبتعث السعودي "الروقي" الى التحقيق والاستجواب ، وحدث مثل ذلك، وبطريقة أكثر تعقيداً،  لـ"الخواهر". إن الإنسان وحده من يحدد لأي غرض تستخدم أية أداة من الأدوات. فالمسدس قد يستخدمه مجرم للقتل أو لص للسرقة تحت التهديد بالقتل، وقد يستخدمه شخص للدفاع المشروع عن نفسه ولحماية أسرته من مجرم  يتسلل في هدأة الليل الى داخل بيته، وقد يستخدمه رجل شرطة لتهديد المجرم ذاته بإطلاق النار عليه إن لم يسلم نفسه، أو قد يرديه قتيلا، أو يسقطه جريحا، لمجرد الحدس أو الشك في أن حركة يده في اتجاه جيب سترته كانت لإخراج مسدس في جيبه. هذا مشهد يحدث ويتكرر حدوثه في بوسطن وغيرها من المدن الأمريكية، وفي مدن أخرى في العالم. أما اذا انتقلنا من الواقع الى الخيال والتخييل، الى السينما بالذات، فان الأميركان "يُسنِنُونَ" على مثل هذه المشاهد إذا صح هذا التعبير. فالمسدس في يد الشخص السيئ أداة للجريمة والاعتداء على الآخرين والتعدي على حقوقهم، أما في يد الشخص الطيب أو رجل الشرطة، فهو وسيلة من وسائل تحقيق (العدالة الشعرية/poetic justice).إن قدر الضغط، كأي قدر آخر، مثلاً، أداة ووعاء لإعداد الطعام من أجل استمرار الحياة، و لا يملك أن يمنع تحوله الى أداة للقتل كما حدث في بوسطن. لكن غير معقول أن يتحول كلّ حاملٍ أو مستخدم له الى متهمٍ بالإرهاب. الشيء المثير هو أن السينما، أو الأفلام بتعبير أكثر دقة، تزخر بالأمثلة على كيفية استغلال وتوظيف الأشياء (الأدوات والآلات ) لأغراض مختلفة، تعبيرية أو لكشف تطور الشخصيات و الأحداث، فيما يعرف بـ(repurposing props). ويعني هذا المصطلح استخدام المقتنيات أو الأشياء، العناصر البصرية، في المشهد السينمائي للقيام بأكثر من وظيفة، سواءً للتعبير بصرياً عن الحالة النفسية والذهنية للشخصية، أو لكشف ثرائها أو فقرها، أو ذوقها في الأثاث والألوان التي تفضلها، أو لتطوير وتعقيد الحدث،  أو لتعميق واثراء الجانب التعبيري والدلالي للمشهد.  فالغرض الأول للأريكة، مثلاً، هو الجلوس، ولكن قد تتعدد  وظائفها خلال الفيلم وفقا لرؤية المخرج، فتكون سريراً، أو حاجزاً  تختبئ الشخصية خلفه عن أعين مجرم اقتحم بيته، او سانداً للباب لمنع دخول المُقتحم، او كمؤشر الى المستوى المعيشي للشخصية من خلال كشف الحوار  لماركة الأريكة وثمنها وجهة صنعها.التعددية الوظيفية للأشياء في الفيلم  هي بحد ذاتها تمثيل وانعكاس لتعددية وظائفها في الواقع. إن قدر الضغط، كأي قدر آخر، مثلاً، أداة ووعاء لإعداد الطعام من أجل استمرار الحياة، و لا يملك أن يمنع تحوله الى أداة للقتل كما حدث في بوسطن. لكن غير معقول أن يتحول كلّ حاملٍ أو مستخدم له الى متهمٍ بالإرهاب. هذا التصرف الارتيابي تجاه كل مقتن لقدر ضغط يحدث تحولاً في وظيفة رجل الأمن، تحولاً مشابهاً للتحول في استخدام القدر على يد الارهابيين، بأن يتحول الحفاظ على الأمن ذريعةً لإرهاب الإنسان وانتهاك حريته وخصوصيته.أختم بالقول إنّ قدر الضغط بقدور أخرى يُذَكِّر: قدر الساحرات في مسرحية مكبث، وقد رحن يحضرن فيه خلطة سحر، والقدر الذي خُبِئَت تحته حمدة "السندريللا الخليجية" عن ابن السلطان في حكاية (صويفية/فسيكرة)، والقدر الذي راح يتصاعد منه الدخان واعداً الصغار بالشبع، بينما لم يكن فيه سوى ماء وكوم صغير من حجارة. قدور وأقدار في الخيال كما في الواقع أو العكس !!