الصين والتحول إلى دولة عظمى
كثيراً ما كان يرسل إلي أخباراً وتحليلات تنبئ عن اندهاشه مما وصلت إليه الصين في مجالات الصناعة والتجارة العالمية والنمو الاقتصادي الهائل، وكذلك في السيطرة على الأسواق المالية العالمية، والاحتياطات النقدية الكبيرة. لكنه في الآونة الأخيرة بدأ يشرح لي تنبؤاته بأن الصين هي الدولة العظمى القادمة، لتكون هي مركز الحضارة في النصف الثاني من هذا القرن. ومهد لهذا الاستنتاج ببعض البيانات، والمقولات التي يعترف بها كبار المحللين الغربيين في هذا الشأن. قلت له: أوافقك موضوعياً بأن الصين مهيأة لأن تكون قوة اقتصادية كبيرة، وهي الآن أصلاً تعد أحد أركان البناء الاقتصادي العالمي، ومخزن الطوارئ للاحتياجات النقدية الكبيرة في العالم. لكن القوة الاقتصادية، وربما الهيمنة على أغلب القرارات السياسية المتصلة بالاقتصاد، شيء مختلف عن التحول إلى دولة عظمى تهيمن على العالم. قال: الآن الاقتصاد هو الذي يصنع القوة السياسية، وتحتاج إليه الجيوش في الغزو العسكري، وفي صناعة الاستقرار وخلق السلام بين بلدان العالم المختلفة. قلت: أنا لا أشكك في قيمة الاقتصاد ودوره الكبير في تحديد القدرات السياسية والعسكرية، لكنه ليس بمفرده قادراً على صنع دولة عظمى. فالصين - على وجه التحديد - لم تصل إلى مرحلة القدرة على صناعة "المتواليات من نماذج الوهم" التي تقنع الناس في كل مكان، بأن هناك أموراً مخفية، لكنها لازمة الاتباع، وأن النجاح الوحيد يكمن في سلوك تلك الطريق. وهذا هو ما يجعل الجموع تقبل الحكم على الشيء ومعه "تصور" محدد يصبح هو منطلق التصورات اللاحقة. ذلك السر هو ما صنع العظمة في امبراطوريات، ودول أصبحت تنال الهيبة باحترام الناس أفراداً ومؤسسات ودول لتلك القدرات المتصورة، أو كما يقول المثل الشعبي: "الصيت ولا الغنى". ففي عصور مضت كان التتار يرهبهم الناس، ويظنون أنهم قادرون على تحطيم كل شيء مهما كانت قوته. ثم في حقبة تالية أصبح الناس يتوهمون الغلظة والقوة العسكرية والإقدام في عساكر العثمانيين، فكان للأتراك منذ ذلك الحين رهبة، وصيت لا يضاهى في بلدان شرق القارة الأوروبية والجنوب الشرقي منها على أقل تقدير. وفي عصور تلتها أصبحت القوى الأوروبية المتوالية من البرتغاليين ثم الإسبان والهولنديين، تلاهم الإنجليز والفرنسيون، وأخيراً الألمان، إلى أن دمرتهم المغامرات العسكرية الواسعة النطاق. فقد كانت بعض الشعوب تظن أن تلك القوى الأوروبية (وخاصة الإنجليز الذين سيطروا على مناطق واسعة من العالم ولفترات طويلة) قادرة على فعل كل شيء، وهذا التصور بمفرده صنع قوة إضافية معنوية أسهمت في تكوين صورة أسطورية لتلك القوة الاستعمارية العظمى.أين الصينيون الذين يطمحون إلى أن يكونوا قادة للعالم من كل ذلك؟ إنهم في الواقع لا يزالون يتوافدون زرافات إلى الماركات الأمريكية في الأماكن التي توجد فيها، ليصوروا معها. وهذا يعني أن رهبة العظمة الأمريكية لا تزال مسيطرة عليهم، وأن انتماءهم أقرب إلى دول العالم الثالث منه إلى دول الصف الأول. فهل تحدث المعجزة يا صديقي؟الجدير بالذكر أن هذه الهيمنة الذهنية ليست خاصة بالدول الكبرى وقضايا السياسة والقوة العسكرية، بل إن هناك قوى ناعمة لديها مثل تلك القدرات الهائلة. فإذا نظرنا إلى لوبي التبغ في الدول الكبرى، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، وجدناه يسيطر بطريقة مفزعة على عقول الناس من خلال التغلغل في حياتهم؛ بإعلانات صاحبت أفلاماً كان يمثل فيها ممثلون مشهورون، وبتصوير حياة الإنجاز والتغلب على صعاب تواجه المرء بواسطة الاستعانة بالسيجارة، التي تساعد المرء - كما يتصورون - على الاسترخاء. فكم من الجهود بذلت في مكافحة انتشار التدخين، وجمعيات أنشئت من أجل تكثيف العمل على التوعية بخطر التدخين الكبير على الصحة لدى كل فئات البشر، وعلى وجه الخصوص النساء الحوامل والأطفال. وكذلك قامت حملات تنبه إلى أن للتدخين أضراراً خطيرة على الاقتصاد من خلال انتشار أمراض متعددة، وعالية الكلفة في علاجها أو التأمين عليها. مع ذلك كانت ردود فعل شركات التبغ في أمريكا محاولات دفع رشاوى كبيرة بالتبرع بمليارات الدولارات في بناء مصحات تعالج مرضى السرطان؛ وذلك مقابل أن يصدر الكونجرس قراراً بحظر تشريع يمنع تجارة التبغ في الولايات المتحدة. فأي استبداد يصل إلى هذا الحد في ممارسات الدكتاتوريات، أو القادة العسكريين الأشرار؟ فأين الصينيون الذين يطمحون إلى أن يكونوا قادة للعالم من كل ذلك؟ إنهم في الواقع لا يزالون يتوافدون زرافات إلى الماركات الأمريكية في الأماكن التي توجد فيها، ليصوروا معها. وهذا يعني أن رهبة العظمة الأمريكية لا تزال مسيطرة عليهم، وأن انتماءهم أقرب إلى دول العالم الثالث منه إلى دول الصف الأول. فهل تحدث المعجزة يا صديقي؟ أشك في ذلك!