الذهاب إلى المعنى
وما انتفاع أخي الدنيا بناظرهإذا استوت عنده الأنوار والظلمكلنا ومنذ الصغر نحفظ ما قاله عمنا الضخم في هذا البيت ، نحفظه ألفاظا شاردة ثم نهز رؤوسنا نشوة وإعجابا بالرنين البارق لألفاظه بحيث يكون هذا الاعجاب وتلك النشوة حاجبا بيننا وبين معانيه.. إننا نفصل بين المعنى وبين اللغة التي تحمله لذلك نبقى دائما فوق السطح.اللفظ والمعنى ليسا جزءين يمكن تصور فصل بعضهما عن الآخر..! انهما شيء واحد.. وقد جرنا تصور انهما جزءان منفصلان من منحدرات النقد التراثي.. جرنا هذا التصور من هاوية إلى اخرى استسلاما أعمى للنقد القديم.ما هي الأنوار والظلم؟هل يقصد المتنبي نور الشمس وظلام الليل؟ لو كان هذا الذي يقصده لم تصبح لقوله هذا أية قيمة.. هل كان يعني بصيرة الفرد ووعيه وغوصه على الاشراق الدخلي للأشياء؟ نعم يبدو أن هذا هو ما يقصده ولكن الغوص في باطن الاشياء أو وعيها ليس في مستوى واحد ولا يوصل إليها بطريقة واحدة.. ليس هذا وحسب.. بل يبقى ما يحيط بها من اصداء قديمة حتى لو كانت صدئة يبقى ذا فعل في الوصول إليها بطريقة ناجحة.الذي يحاول الوصول إلى رؤية الضوء والظلام في آبار الاشياء لابد أن يحمل في داخله مصباحا كبيرا أو عدة مصابيح منها:•العلم:العلم هنا ليس معناه حفظ القواعد والقوانين لحقل ما من حقول العلوم المختلفة.. بل المراد به «المعرفة» التي نسميها «وعيا» فالعلم بالقواعد والقوانين يسمى حفظا ولذلك كثيرا ما نسمع في تراثنا الجامد «الحافظ فلان» والذاكرة لا تصنع وعيا.. بل يبقى الوعي تائها في صحراء التقليد ما لم يتحول العلم إلى معرفة.. إلى وعي.•الأدب:الأدب ليس علما وان استفاد من جميع العلوم وقد حاول كثير «علمنته» ولكنها محاولة ذهبت مع الريح.. والأدب ليس حفظ قصيدة أو قراءة رواية الأدب مصباح وجداني يحمله القلة من الناس.•الاسلوب:الاسلوب احد المصابيح وقد كررت الواعظة مريم نور القصة التالية: رأى امبراطور حلما مزعجا فطلب مفسرا قديرا للأحلام وقال له هذا المفسر كل احبابك سيموتون فغضب ورماه في السجن وحين احضروا آخر قال له: أنت أطول أهل بيتك عمرا فأمر له بجائزة.