الحروب تبدأ ولكن لا تنتهي
تستهل المخرجة الكرواتية نينا ميميكا فيلمها القصير(انتهت الحرب، 1997) بأربع لقطات طويلة مضاءة بإفراط، يظهر فيها شخص-يبدو كالشبح بسبب الإضاءة المفرطة- وهو يرقص بابتهاج وانتشاء وسط مرج أخضر. يتضح عندما تدنو الكاميرا منه أنه شاب يتمتع بصحة جيدة، ويكتشف المشاهد لاحقاً أنه ماركو الشخصية المركزية في الفيلم. ثم تقطع/تنتقل الكاميرا في لقطة طويلة الى مشهد آخر، يظهر في خلفيته شخص متسلق سلماً لإصلاح ما سيتضح في اللقطة التالية انه خط هاتف. تعرضُ الصورة التالية ماركو وهو يدير محالةَ هاتف قديم مثبت على عارضة خشبية. يكرر طلب الرقم عدة مرات، ولكن يخفق في الاتصال بالطرف الآخر. ثم تجئ اللحظة المنتظرة، وتسقط على الطرف الثاني صحون صين تتكسر على ارضية الغرفة، بسبب انفلاتها من يد جدته العجوز التي تفاجأت بسماع صوته. يعقب ذلك مجيء شقيقته الصغيرة راكضة وصارخة : ماركو، ثم الأب، ثم الأم، ثم الأب ليكمل حديثه القصير مع ابنه.بسلسلة من اللقطات القصيرة، تنقل المخرجة ميميكا المشاهد من الداخل الى الخارج أو العكس؛ الداخل في بيت الأسرة، والخارج حيث يقف الابن والحفيد والأخ ماركو محاطاً بأشخاصٍ آخرين ينتظرون أدوارهم للاتصال بأسرهم، في مكان تعمدت المخرجة عدم تسميته وتحديده جغرافياً لأسباب أذكرها لاحقاً. ويظهر الشخص الذي يقف خلف ماركو مباشرة ممسكاً بعكازين.الحروب تبدأ و لكن لا تنتهي. ربما تكون هذه واحدة من الرسائل التي حاولت المخرجة ايصالها للمشاهد عبر تجربة وصورة ماركو وهو يعرج في اتجاه المجهول الذي قد لا يقوده الى أسرته التي ستظل تكابد ألم غيابه. قد يموت فقيراً ويدفن مجهولاً. الحرب في الفيلم لم تنته بالنسبة لماركو وأهله، وفي الواقع، على سبيل المثال، يزدحم تاريخ العالم العربي ماضياً وحاضراً بالأمثلة. خلال سبع دقائق( مدة الفيلم)، تتمكن ميميكا بمهارة فنية عالية من نقل حالة التوتر والانفعال والبهجة التي تمر بها الأسرة باستخدام اللقطات القريبة جدا والانتقالات/القفزات السريعة المتتالية من وجه الى آخر بالداخل، والى ماركو بهدوئه وتردده في الخارج. ويعرف المشاهد اثناء المكالمة القصيرة التي يتخللها تعثر الاتصال وصعوبته أن ماركو كان غائباً عن أسرته لسنتين قضاهما مقاتلاً على جبهة ما في حرب ما، وأن أمه كانت مريضة، تعاني من الربو الذي ازدادت شراسة نوباته مؤخرًا وأنها بدت في أحسن حالاتها حين سمعت صوته وطلبت منه عدم المجئ لأن الطرق ليست آمنة بعد، وأن شقيقته الصغيرة سقط لها سنٌ، وأن الأسرة عانت كثيرا، الى درجة أن البرد القارس اضطرها الى استخدام الأثاث الخشبي للتدفئة، لكنها ابقت منضدته الى حين أوبته.يقابل هذا الانثيال المعلوماتي بالداخل، كلام ماركو المتقطع والمتردد في العراء. ويزداد التردد عندما يسأل أباه عمّا اذا كان يستطيع إحضار صديق معه الى البيت، فيجيبه الأب بأنه ليس في حاجة لأن يسأل. ثم يأتي الكلام من ماركو متردداً متلعثماً بأن صديقه فقد ساقه في الحرب، ليسمع الرد الذي كان يخشى سماعه، حين أجاب أبوه بأن حالة أمه لا تسمح باستقبال صديقه، لكن يستطيع احضاره لاحقاً. تنتهي المكالمة. يبتعد ماركو عن الهاتف، ويكتشف المشاهد أن ماركو هو الصديق الذي فقد ساقه، وأن العكازين اللذين كان يمسك بهما الشخص الآخر هما عكازا ماركو.تتابع الكاميرا بلقطة طويلة ماركو وهو يعرج وحيداً مبتعداً عن المنتظرين وعن الكاميرا وبالتالي عن المشاهد، الذي لا يعرف عنه سوى اسمه. لقد تعمدت المخرجة عدم تسمية المكان والزمان وجنسية الشخصيات، والحرب، لأنها غير معنية بحرب معينة، فالفيلم يتناول الحرب كتجربة انسانية عالمية وما ينتج عنها من قتل واعطاب للمحاربين على جبهات القتال مثل ماركو ومن دمار وكوارث اقتصادية واجتماعية وبيئية.الحروب تبدأ ولكن لا تنتهي. ربما تكون هذه واحدة من الرسائل التي حاولت المخرجة ايصالها للمشاهد عبر تجربة و صورة ماركو وهو يعرج في اتجاه المجهول الذي قد لا يقوده الى أسرته، التي ستظل تكابد ألم غيابه. قد يموت كغيره فقيراً ويدفن مجهولاً. الحرب في الفيلم لم تنته بالنسبة لماركو ولأسرته، وفي الواقع، على سبيل المثال، يزدحم تاريخ الوطن العربي ماضياً وحاضراً بالأمثلة.