د. محمد حامد الغامدي

مع ضياع حقوقك عليك أن تشتري السّلامة

** بعد أن أصبح لـ(كينيا).. سفيرة في بيتنا العامر.. بدأت أقرأ عن بلدها الإفريقي.. وجدتهم مهرة في صيد الأسود.. مؤشر ذو دلالة عظيمة.. وبعيدا عن معانيه.. وبكل ذوق عربي.. كان حسن التعامل يزيل الفوارق.. نختلف.. لكن لم نتجاوز.. لم نستخدم الكلمات العربية المارقة.. كانت تطرح أسئلة لها دوائر.. منها.. لماذا لا تذهبن لصلاة الجمعة.. في بلدها الرجال والنساء يفعلون.. ساد الصّمت.. ثم طلبوا منّي الإجابة كرجل.. وتلك بداية الشك بالتحريض. ** قبضت بيدي جزءا من شعر رأسي الأبيض النّافر.. فركته بأناملي الحنطية.. قلت لنفسي.. ليتهن يطالبن بالصلاة في المساجد.. بدلا من مطالبتهن بغيرها.. تجاهلت السؤال والإجابة.. شرحوا لها ما طاب عن الصلاة وغيرها.. أعطيناها لقب سفيرة توضيح الحقوق.. أصبحت أكثر تقربا.. خفت من ربيع عائلي تقوده السمراء.. ومع ذلك باركت كل طلباتها وتحركاتها بدون تحفظ.** لم تكن (الكينية) قادمة من كوكب (زحل).. يقولون إفريقيا متخلّفة.. إذا كان هذا نموذج التخلّف.. فكيف يكون التقدم عندهم؟!.. تعجبت من احترامها وتقديرها لذاتها وعملها.. وتلك من سمات الشخصية الجيدة.. كانت ملتزمة بوثيقة العمل.. كتبناها باللغة الإنجليزية لزيادة مساحة فهمها.. انقضت ثلاثة أشهر.. بدأ الجميع في التأقلم مع منغصات الوضع.بدأ البيت في صراع التردد.. أيام يكون الاصرار بترحيلها.. وأيام يسود التعاطف معها حتى الفحص القادم.. بدأ الجميع في تخيلاتهم يسبحون.. البعض قال بعدم الارتياح لها من أول شوفة.. كل يوم قضية وقصة.. إلى أن وصلني السؤال: (انت وش رأيك).. (وش انطباعك الأول عنها)؟!.. ولأنني من ضحايا الإجابات الصريحة.. وملدوغ بسببها مرات كثيرة.. امتنعت عن إعطاء أي إجابة.. على أمل أن تتولى التقارير الصحية الإجابة.. لكنها أتت بثلاث مفاجآت.. جعلتنا نتساءل هل نحن.. كـ(بلد).. في المسار الصّحيح والسّليم** في أحد أيام الشهر الرابع وقفت سمراء إفريقيا أمامي قائلة: (سير).. ثم قالت: أطلب السّفر فورا إلى بلدي.. نظرت إليها.. نظرت هي الأخرى.. انصرفت عنها كأني لم أسمع شيئا.. اليوم الثاني أكدت اصرارها على السّفر.. تأكدت من عدم منغصات تزعجها.. عرضت عليها زيادة أخرى في راتبها.. مقدارها (200) ريال.. ليصبح 1100 وقد كان (800) ريال.. وافقت.. وفي اليوم الثالث عادت لتؤكد رغبتها في المغادرة.** أدركت أن الأمر مُخطط له مُسبقا.. النظام يسمح بتجربتها ثلاثة أشهر.. يمكن استبدالها بأخرى في هذه الفترة.. بعدها يسقط حق الكفيل في المطالبة بأخرى.. هذا ما كان.. النظام يشرّع لهذا.. في غياب المحاكم تضيع الحقوق.. وخوفا من السواطير والسهام وطقوس نحر الأسود الإفريقية.. قررنا صاغرين تسفيرها على حسابنا.. لم نخسر أموالنا.. لكننا اشترينا سلامتنا.** قررنا الاستغناء عن الخادمات.. لكن الظروف قاهرة.. لم يتم تنفيذ القرار.. أسوة بجامعة الدول العربية.. كل قراراتها حبر على ورق.. إلى (سيرلنكا).. وقد تضاعفت تكاليف الاستقدام.. وصلت أكثر من (17) ألف ريال.. استقبلناها بعد انتظار طويل كما ورد في المقال قبل السابق.. كانت ممتلئة الجسم.. على غير ما ألفنا من السابقات.. حيث مؤشرات المعاناة على الأجساد والملامح واضحة للعيان.** وصلت الخميس.. وفي يوم السبت ذهبت للفحص.. وكانت الطّامة الكبرى.. حامل.. الشغالة حامل.. تذكرت عبارة يوسف وهبي الشهيرة: يا للهول.. تساءلت: ما هذا الحظ مع عاملات المنزل؟!.. بدأنا التحقيق معها.. وفق قواعد هيئة الأمم المتناحرة.. ونظام ضياع حقوق الإنسان.. وتحت بند الله المستعان.. شرحت اكتشافها للحمل قبل مجيئها بأسبوع.. وأنها بلعت (بلاوي) للاجهاض.. وحصل لها نزيف قبل قدومها.. ادعت أن النزيف مازال بشكل متقطع.** ذهبنا إلى مستشفى خاص لإجراء المزيد من الفحوصات والعلاج.. أثبتت الفحوصات الجديدة الحمل.. ولكن لأنها أخذت (بلاوي) الإجهاض.. فهذا يعني أن احتمال نواة الجنين خرجت مع النزيف.. وبعد المزيد من الفحوصات التي بلغت تكاليفها زيادة عن (1500) ريال.. قالوا انتظروا اسبوعين ثم يعاد سيناريو الفحوصات للتأكد.. دارت المشاورات.. انتشر الخبر.. جاءت النصائح متدفقة كسيول مدينة جدة.. أخيرا فضلنا الانتظار.. أربعة أسابيع وليس أسبوعين.. زدنا الكيل ولم ننقصه.. على أمل أن تأتي الفحوصات القادمة بالخبر السار.** خلال فترة الانتظار.. بدأت تستعرض مهاراتها.. اكتسبتها في لبنان.. وخاصة اللهجة اللبنانية الساحرة.. تذكرني بـ(مريم نور) وبالصبايا.. يطلون علينا من شاشات التلفزة.. نشاهد ونحلم و(نخبص).. بدأت أتعاطف مع السيدة السيرلنكية.. كشفت الكثير من مواهبها في إعداد جميع أصناف الحلويات الشامية.. معها وبسببها أدمنت شرب القهوة اللبنانية بعد وجبة كل غداء.** بدأ البيت في صراع التردد.. أيام يكون الاصرار بترحيلها.. وأيام يسود التعاطف معها حتى الفحص القادم.. بدأ الجميع في تخيلاتهم يسبحون.. البعض قال بعدم الارتياح لها من أول شوفة.. كل يوم قضية وقصة.. إلى أن وصلني السؤال: (انت وش رأيك).. (وش انطباعك الأول عنها)؟!.. ولأنني من ضحايا الإجابات الصريحة.. وملدوغ بسببها مرات كثيرة.. امتنعت عن إعطاء أي إجابة.. على أمل أن تتولى التقارير الصحية الإجابة.. لكنها أتت بثلاث مفاجآت.. جعلتنا نتساءل هل نحن.. كـ(بلد).. في المسار الصّحيح والسّليم؟!