ما قبل
نقرأ ونسمع بتكاثر ممل: ما بعد الفلسفة/ما بعد الحداثة/ ما بعد العولمة/وأخيرا سمعنا بوقاحة ما بعد العلمانية.. هذه «ألما بعد» الممتدة من الاشياء المادية «ما بعد النفط» الى الاشياء المعنوية توحي لك بانه لاجذر للاشياء وعلينا ان نلاحق هذا النهر أو ذاك قبل أن يجف.(أما بعد) تسمى في التراث «فصل الخطاب» أي انتقال الخطاب من موضوع الى آخر مختلف عنه.. أما اذا كان انتقالا في نفس الموضوع من درجة إلى أخرى في السلم نفسه فيسمى «التجاوز»).«ما بعد» في الفهم العربي الشائع تعني «الالغاء» وليس التجاوز لأن التجاوز يعني «بقاء» كل ما هو ناضج وايجابي والارتقاء به من درجة الى اخرى في السلم نفسه.. لذلك أصبحت كلمة «القطيعة» اكرر «في الفهم الشائع» مرادفة للكفر في حين ان القطيعة لها معنى آخر.«ما بعد» هذه ممتدة انحدارا من فلسفة نيتشه حتى أصبحت فلسفة عدمية سوداء تشك في جميع المعارف البشرية وعلى رأسها «قيم التنوير» التي راحت البشرية على افيائها «تربي الامل» وتقرب من منطقة انعدام غروب الشمس.ما هي قيم التنوير؟هي تلك التي يقول عنها كنت: (التنوير هو خروج الانسان من القصور الذي ارتكبه في حق نفسه من خلال عدم استخدامه لعقله إلا بتوجيه من انسان آخر) أي انه عمى التقليد الذي يجعلنا نسير على ضوء لا نبصره.قيم التنوير هي ما ضحى من اجلها فلاسفة كبار أعادوا الفلسفة من الفضاء الى الأرض، فاندلعت بسببها الثورات وبخاصة الثورة الفرنسية المؤسسة لحقوق الانسان.العدالة الاجتماعية والحرية وتكافؤ الفرص وحقوق الانسان هي قيم التنوير فهل تحققت هذه القيم حتى بنسبها المختلفة في الحياة البشرية حتى نصل إلى الما بعد؟!إننا نعيش في «ما قبل» ما قبل هذه القيم ويبذل بعضنا كل طاقته للوصول إلى بعض هذه القيم حتى الآن...