سالم اليامي

موْجة الحِوار في البلاد العربية

كَثُر الحديث عن الحوار في المنطقة العربية بين المتصارعين على السلطة في بلدان ما يعرف بالربيع العربي وغيرها، بصورة تعكس أن الحوار أصبح موضة ، أو أنه الاختراع السحري والوحيد لحل كل مشاكل المنطقة. ويكفي أن نلقي نظرة عامة من سوريا إلى اليمن، إلى مصر، إلى تونس إلى مملكة البحرين، ففي سوريا وبعد احتراب بين السوريين لعامين قبلت أطراف الصراع بالحوار في الوقت الذي تتصاعد فيه العمليات العسكرية، وفي اليمن عُقد المؤتمر المشهور للحوار بين اليمنيين لخلق يمن جديد ودستور وديمقراطية كما يقال، وبمباركة دولية غير مسبوقة بما يوحي ربما أن هذا المخرج مصمم دولياً و برعاية إقليمية وتنفيذ يمني، و يستمر حوار الإخوة في اليمن ستة أشهر. في مصر المحروسة ومع مظاهر غياب الأمن وتفتت سلطات الضبط العام وانتشار حالة من عدم  الاستقرار وفشل الحكومةفي مصر المحروسة ومع مظاهر غياب الأمن وتفتت سلطات الضبط العام وانتشار حالة من عدم  الاستقرار وفشل الحكومة بامتياز في عودة الهدوء للشارع، نجد أن هناك دعوات بين الرفقاء السياسيين بالعودة للحوار للخروج بالبلاد من هذه الدوامة المُريعة.بامتياز في عودة الهدوء للشارع، نجد أن هناك دعوات بين الرفقاء السياسيين بالعودة للحوار للخروج بالبلاد من هذه الدوامة المُريعة. في تونس وبعد النجاح الجزئي في تشكل الحكومة المؤقتة وحصولها على ثقة المجلس التأسيسي واستمرار رفض قطاع كبير من الشارع التونسي تغول حركة النهضة من جديد، هناك دعوات للحوار أيضاً. مملكة البحرين وبرغم الخطوات المتقدمة بين السلطة والمعارضة، هناك حوار بين أهل البحرين يدور هذه الأيام. كل هذه  الوقائع السياسية تؤكد الرواج العام لمفهوم الحوار، السؤال الذي يتوجب البحث عن إجابة منطقية له هل يمكن أن يحل الحوار مشاكل البلدان العربية، وهذا التساؤل مبني على شقين الشق الأول ويركز على البعد التاريخي للممارسة السياسية العربية  منذ استقلا هذه البلدان، بمعنى هل هناك في أسس الممارسة السياسية العربية السابقة مواطئ قدم للحوار؟ وهل سبق أن حقق الحوار انجازات سياسية أو اجتماعية أو حقن دماء وحقق مصالحات في أياً من هذه البلدان؟ سيدرك القارئ الكريم أن ليس هناك أثر ملموس  للحوار وكل ما عرفته الأنظمة السياسية السابقة في بعض هذه البلدان التخوين والسجن والاضطهاد والوصم بالعمالة. البعد الآخر للتساؤل مبني على البعد الفكري والثقافي العربي ومدى اقترابه وقبوله بمفهوم الحوار مع الخصم؟ وهل الحوار مستهدف بالوصول للحق والعدل والخير، أم أنه مختار للانتصار وإقناع الطرف الأضعف بما يروج له الطرف الأقوى نسبياً؟ الأهم من ذلك هل المرجعية العامة للذهنية العربية وللأطراف الأكثر التزاما بخط أيدلوجي معين قابلة للحوار وشروطه ومنطقية ما يفرضه تحقيقا للمصلحة العامة.أم أنَّ التقاليد الفكرية تقول التزم أيها الإنسان بأمر ما واترك أمرا آخر، وأن هناك فرضية إتباع تُنكِر الابتداع المتناغم مع المفهوم العصري للحوار الذي قد يحقق المصلحة العامة ويحقق الاستقرار. أرجو أن لا يُفهم من هذه التساؤلات التي حاولت اختصارها بأقل عدد من الكلمات أن الذهنية والثقافة العربية معادية لمفهوم الحوار، وأنها في ذات الوقت تبجل على الحوار مفاهيم أخرى فيها بعض القبول التلقائي، والتسليم المبدئي. وكل ما يخشاه من يراقب هذه الموجه الحوارية العامة التي تجتاح المنطقة أن تكون وصفه غريبة على هذه البلدان وهنا سيكون الحوار المثمر الايجابي محل شك، وستعاني هذه البلدان لعقود جديدة من نتائج  مفهوم حوار لم يولد وينضج في محيط التجربة والذهنية العربية قبل أن يصبح المسار الإجباري الوحيد للحل.