من الغيبة الصغرى إلى غياهب الجب
لوح صاحبنا العزيز الوفي بيده مودعاً وانا متجه الى صالة المغادرة وظل صاحبنا يلوح بيديه الى ان تواريت عن ناظريه. ركبت الطائرة وبعد عشر دقائق من جلوسي على الكرسي واذا بي افاجأ بإعلان من المسؤول عن الطائرة ان اقلاعنا سوف يتأخر قرابة الساعة او الساعتين والذي كان من المقرر ان يكون في الـ 10 صباحا بتوقيت غرينتش، إذ حاول الفنيون في المطار خلال هاتين الساعتين إصلاح العطل الذي أصاب الطائرة. احببت وانا منتظر في الطائرة ان اشاكس صاحبنا برسالة ساخرة اذكره ببعض الذكريات الجميلة التي مرت علينا بعد قرابة اكثر من عقد من الصداقة الحقيقية وان كانت مرت بصعود وهبوط الا انها ظلت متينة. فتحت ستارة نافذة الطائرة وبدأت اكتب واكتب وغصت في الرسالة ولم اشعر بما يدور حولي حتى انتهيت منها على صوت مسؤول الطائرة يعلن عن اصلاح العطل ويطلب منا الاستعداد للاقلاع وربط الاحزمة. استهلّيت فيها الرسالة بقولي: من الغيبة الصغرى إلى غياهب الجبلم تكن هذه البداية يا صاحبي وإنما هي سلسلة سرمدية من الابتلاءات ابتدأت من غرفة الكمبيوتر بمدرسة الفيصلية كنت جالسا في زاوية الفصل وهو بجواري فمد إلي ورقة فيها قصيدة يدعي أنها له ويطلب رأيي فيها فقرأتها وأعجبت بها وشجعته على الاستمرار وكان يهز رأسه والابتسامة تعلو وجهه. إلا أن القصيدة لم تكن إلا أغنية الفنان الكبير كرامه مرسال قبل أن تغنيها الفنانة أنغام وتشتهرمكثنا في الجامعة ما شاء لنا أن نكون ثم تخرجت من الجامعة وعملت في الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في قسم الدراسات الاستراتيجية وإذا بصاحبنا مختبئا في «شوشة» عصام السوداني سكرتير مدير القسم. بعد قرابة السنتين من العمل في الهيئة تركت له الجمل بما حمل امتثالا لقول الله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة).وهي « متيم بالهوى يروي حكاية حب مخفيّـة مع من عاش وياهمولولا الأمر ما يحوي ما قلت الذي بيّـه ولكن بعد فرقاهملقيت القلب يهواهم» بعد هذه الفاجعة المأساوية التي أثرت في نفسيتي أصبح صاحبنا قدري الذي لا يفارقني. وأصبح يعاملني معاملة الأسير الذي يدعو الله كل يوم أن يطلق سراحه وتمنح له الحرية. فبعد التخرج من الثانوية هربت منه إلى جامعة الملك سعود كلية العلوم الادارية قسم العلوم السياسية فوصلني صيته قبل أن أراه فلم يسلم منه أحد حتى عامل الكافتيريا فقد ناله ما ناله من الابتلاء. حتى ان عامل الكافتيريا كاد أن يصاب بجلطه في الدماغ لولا لطف الله به ورحمته. ثم مكثنا في الجامعة ما شاء لنا أن نكون ثم تخرجت من الجامعة وعملت في الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في قسم الدراسات الاستراتيجية وإذا بصاحبنا مختبأ في «شوشة» عصام السوداني سكرتير مدير القسم. بعد قرابة السنتين من العمل سويا في الهيئة حيث كان مكتبه بجوار مكتبي تركت له الجمل بما حمل امتثالا لقول الله تعالى :( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة). سافرت إلى كندا إلى مدينة فانكوفر -اجمل مدينة في العالم ولم ازل احن كثيرا لتلك الايام الجميلة التي عشتها فيها- وإذا بي أفاجأ بصاحبنا يردد دعاء السفر وكرشته تزاحم كرسيي. فليس كل ما يتمناه ابن عثيمين يدركه تجري رياح صاحبنا من ورا خشمي. فلما أرهقني من «كبسة التونة» صعودا اتخذت ناصية رصيف غبي أهل عبراتي عليها ثم لملمت جراحاتي وما تبقى من «نوتيلا بنانا» حلاي المفضل وودعت مطعمي المفضل «كاكتوز» وأقلتني أول طائرة الى أرض الضباب، وكما يقول فنان العرب ابو نورة أسافر عنه من ديره لديره عساي أسلاه لكن ما حصل لي. أقل صاحبنا أول طائرة ووجدته وانا قادم من مكتبة الجامعة فتحت باب العمارة واذا بصاحبنا ينتظرني بصحبة «مورين» المسؤولة عن سكن (الكينن هاوس) وسكن في نفس الدور الذي كنت ساكن فيه في الدور الرابع. قلت بيني وبين نفسي هل أصرخ في قلبي صرخة قوية توقظني من هذا الكابوس الطويل السرمدي أم هل أطبع قبلة اعتذار فوق جبينه عله يعتقني ويمنحني حريتي التي سلبت منذ اغنية متيم واصبحت بعدها متيم بالحياة نفسها التي نسيت طعمها ولونها ورائحتها. خرجت من العمارة وتركته مستلب الحول والقوه إلا من الله سبحانة وتعالى وبدأت خطاي تقودني إلى اللاعنوان امشي وامشي حتى وصلت الى مسجد الجامعة القريب من كليتي والقريب من وسط المدينة بل انه في وسط المدينة، دخلت المسجد ثم جلست في ناصيته على كرسي شيخنا الدكتور سعيد العراقي بعد أن صليت ركعتين تحية المسجد ثم حملت القران وبدأت أقرأ وما أن وصلت إلى قوله تعالى (إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ) إلا ودخلت بلا شعور في موجة بكاء طويلة أصيح وأكرر بلا وعي إلا صاحبنا يارب ابتلاء في الدنيا وعذاب في الآخرة.الا اننا سنظل يا صاحبي العزيز بذاكرتنا المثقلة باللحظات الجميلة نستحضر روح تلك الاوقات الطاهرة نقرأ عليها الفاتحة نصلي لتلك الايام الجميلة ان يبارك فيها ويجعلها تظللنا في ظله يوم لا ظل الا ظله ثم نغترف من طهر تلك اللحظات علها تروي نبتات مستقبلنا الذي سيكون بإذن الله امتدادا لهذا الحب والود والاخوة.