د. مبارك الخالدي

يجذبهم عطر راغب وطائرة أحلام

مليون نانسي الذي ضاقت به مساحة العنوان. مئاتٌ من الحالماتِ والحالمين بالنجومية والشهرة، أو ربما بمجردِ الوقوفِ للحظات امام لجنة التحكيم، احتشدوا  في القاهرة أمام مقر لجنة اختيار المشاركين في المرحلة الثانية من (أَرَبْ آيدول). لقد بدوا وكأنهم جاؤوا مباشرة من ميدان التحرير. لكن بدلاً من الهتاف بسقوط النظام كما حدث خلال ثورة 25 يناير، أو  برحيل حكومة د. مرسي في أعقابها، راحوا يهتفون امام عيون الكاميرا : (أَرَبْ آيدول).سهلٌ جداً لأي مستمتع بعزلته "البُرُجْعَاجِيّة" أن يصبَّ عبارات التسخيف والتبخيس على رؤوس تلك الحشود الحالمة. لكن، في نفس الوقت سَيشقُ عليه، جداً، أن يخرجَ من عزلته ويضع قدميه في احذيتهم، وينظر الى الحياة من زوايا رؤيتهم. لو اقدم على فعل ذلك سيكون موقفه حتماً مختلفاً، أو هكذا أتوقع.هذا زمن (أَرَبْ آيدول) ، وغيره من البرامج المماثلة مُوَلِّدِة الأحلام الحقيقية للقلة، والزائفة للباقي من الحالمين والطامحين  الى النجومية والثراء. ليس في القاهرة ولا  في أي مدينة عربية أخرى ما يكون مولداً بديلاً لهذه الأحلام، فحتى الثورات التي استثمر الناس  فيها أثمنَ وأعزَّ احلامهم وآمالهم جاءت وهي تجر في أذيالها العديد من الخيبات.  فليس من العدل الاستخفاف بمن يحتشدون للاختبار سواء في القاهرة أو غيرها،  فبينهم أو مثلهم من  أشعلوا الثورات وكانوا وقودها، ليأتي في النهاية من يختطفها من الانتهازيين والمتآمرين والديكتاتوريين الجدد. جاء كلُّ واحدٍ للاختبار وهو يرى فيه جذوةَ ما قد يصبح ثورةً تُحدثُ فرقاً كبيراً في حياته الشخصية، يكون مصدرها ومجال تطورها صناعة التسلية، التي يرى ثمارها في أعضاء لجنة التحكيم الذين سيقف امامهم ليثبت أحقيته في أن يكون "محبوب العرب"، وأن تُتاحَ له فرصةَ وضعِ قدميه على بدايةِ الطريق الذي سيأخذُه الى حضن صناعة التسلية الواعدة ببريق الشهرة والغنى والرفاهية، من يدري؟ فربما يمتلك ذات يوم طائرةً خاصةً ينتقل بها من مدينة الى اخرى مثل الفنانة أحلام، او ينتج عطره الخاص مثل راغب علامة، او يتقاضى مليونا وسبعمائة وخمسين الف دولار مثل نانسي عجرم لمشاركته في  لجنة تحكيم برنامج مثل (أَرَبْ آيدول). أو هل أقول أن يكون مثل (مادونا)، التي تناقلت وسائل الإعلام  امس الأول (الجمعة) خبر انضمامها الى قائمة الملياديرية، لتكون  أولَ نجمة (بوب) تمتلك ثروة تقدر بما يزيد على بليون دولار.  هذا انجاز  ربما لم  تحلم به، أبداً، الفتاة الأمريكية من أصول ايطالية وهي تحزم حقائبها لتغادر (بي سيتي) في ميتشيغن الى نيويورك لتحترف الرقص الحديث والأداء الموسيقي في فرقة (بركفاست كْلَبْ)، لتصبح لاحقاً النجمة والأيقونة والفتاة المادية (Material Girl) كما تصف نفسها في الأغنية التي تحمل العنوان نفسه. نعم انها  الفتاة المادية في عالم مادي. والذين يتجمهرون امام مقرات الاختيار لـ (أَرَبْ آيدول) وغيره، هم فتيات وفتيان ماديون يعيش في عوالم مادية عربية بائسة موبوءة بالبطالة والفساد وانعدام فرص تحقيق الذوات والحياة الكريمة. يرون في هذه  البرامج بصيص نور في نهاية نفق الحاجة متعددة الأنواع او على الأقل فرصه لتطوير مواهبهم الفنية.سهلٌ جداً لأي مستمتع بعزلته ورفاهيته "البُرُجْعَاجِيّة"، أن يصبَّ عبارات التسخيف والتبخيس على رؤوس تلك الحشود الحالمة.  لكن في نفس  الوقت سَيَشقُّ عليه، جداً،  أن يخرُجَ من عزلته ليضع قدميه في أحذيتهم وينظر الى الحياة والأشياء من زوايا رؤيتهم. لو أقدم على فعل ذلك سيكون موقفه حتماً مختلفاً، أو هكذا اتوقع.يُعَبر التقدم للمشاركة في هذا النوع من البرامج  عمّا يشبه الرغبةَ الشديدةَ والملحةَ في الهجرة ليس بالضرورة هربا من المكان، ولكن  للخروج  من حال بائس  الى آخر مريح ومضاء بالأمل . وهذا بحد ذاته حق مشروع. لهذا أجدني في حال تعاطف معهم، وشفقة عليهم في نفس الوقت، لأنه في نهاية المطاف لن يكون هناك سوى "محبوب عرب" واحد  سيعود  الى مدينه نجماً جديدا. ويعود الباقون الى الأوضاع التي  غادروها مؤقتاً ليستأنفوا أحلامهم من جديد.