د. مبارك الخالدي

لا واحليلك يالصِغَيِّرْ حليلاه !

    «لا واحِليلك يالصِغَيِّرْ حليلاه/ عليك من خلي وصوفٍ مْدِلَّهْ»، يصدح بالغناء  الشاعر الفنان خلف بن هذال في الزمن الذي أصبح يُسمى جميلاً، بينما ريشة المرحوم سلامة العبدالله  «تخرش الأوتار خرشاً» مُبرِّحاً. بمرافقة العبدالله للشاعر الفنان بالعزف على العود يتألف ثنائي مواز للثنائي الذي يخلقه الشاعر في القصيدة/الاغنية: «الصِغَيِّرْ» المخاطب من قبل الشاعر والذي يمكن القول بوجوده مع  الأول في  زمان ومكان المخاطبة، و»الخل» الغائب  فسيولوجيا والحاضر صورةً و ذكرى في ذهن الشاعر المغني، فضلا عن حضوره عبر الشبه بينه و «الصغيّر»، الشبه المحفز لقريحة الشاعر والملهب لجروحه الناغلة من فراق الخل الـ»أدعج غنج من قابله ما يِمِلَّهْ».

بغضّ النظر عن الشكوك التي تحيط بصدقية نسبة الدعوة إلى امتناع الأمهات عن الخروج بصحبة ابنائهن الى إحدى الأكاديميات، تتسق هذه الفكرة تماما مع  سعي البعض الى تمييز هذه البلاد بما هو غريب من الفتاوى والأفكار. لم تسقط من الذاكرة بعد فتوى رضاعة الكبير، وتحجيب الرضيعات، ومنع الفتيات من لبس البناطيل أمام آبائهن. 

سبب الاهتمام بـ»الصغيّر» واستملاحه ومداعبته من الشاعر هو شبهه بالحبيب البعيد،  بيد أنه شبه محدود ينحصر في الأنف والقدمين: «عليك من خلي خشيمه وماطاه/في باقي الأوصاف مَنْتِبْ حَلَلَّه». تكشف ملاحظة الشبه بين الاثنين  حميمية العلاقة بين الشاعر وإلى أن جسد  «الخل» كان وليمة تجوس خلالها عينا الشاعر متأملةً و مسجلة ً كلّ تفاصيله، حتى إذا ما وقعتا على «الصغيّر» , كان اكتشافهما مواقع الشبه بينه والحبيب سريعاً ودقيقاً.    أما الشبه الكامل بين الحبيب والآخر الى حد التطابق  في كل شيء، فيحدث في أغنية محمد عبده « ياشبيه صويحبي»، في العيون ولون الخدود وفي اليدين والسلام والكلام والبسمة المخزونة صورها في ذاكرة الشاعر والتي يعول عليها في اكتشاف شبه المخاطب  المجهول والحاضر افتراضا  بالصويحب الغائب كما في أغنية خلف بن هذال .    النقيض على نحو كامل لما يحدث في الأغنيتين، قد يقع، وفي الواقع، عندما تسير أم- أي أم( ما يعني كل الأمهات)- بصحبة ابنها (الجميل خصوصا) في الشوارع و الاسواق  القديمة أو الحديثة، فتنجذب إليها العيون، وعلى الفور  تشتغل مكائن المخيلات، حيث لا دور للذاكرة في هذا الموقف كما في الأغنيتين، فالشبيه/المشبه(الأم) والمشبه به (الابن) يسيران جنبا إلى جنب، مع غياب/اختفاء وجه  الأم ،  والذي سيتحول في مخيلة  الناظر او الناظرين الى قماشة رسم فارغة يلصق عليها الناظرون الملامح التي ينتزعونها من وجه الابن. وفي حال خروج امرأة بصحبة أكثر من ابن، ستحظى بوجه هو تشكيل كولاجي من ملامح وجوه ابنائها،  أو سيكون لها وجوه بعدد الناظرين.     إذا  كان الجمال في عين الرائي/الناظر، وكل إنسان  يولد بنصيبه من الجمال،  فإن كل الأبناء جميلون ووجوه كل النساء  قماشات رسم، ولن يسلم وجه أي امرأة من عربدة مخيلات الرجال. ولن يتحقق للأمهات الخروج من هذا المأزق إلا عن طريق أحد الحلين التاليين : منعهن من الخروج نهائيا، أو عزلهن عن ابنائهن عند خروجهن بإجبارهن على السير في جهة  وأبنائهن  في جهة أخرى من الشوارع و الاسواق والحدائق.     رغم أن تخيل وتصور ما سيحدث بسبب هذا النوع الجديد من العزل الجندري يحتاج إلى مخيلة  وإمكانات هوليوودية،  يمكن تصوره على نحو بسيط وغير مفصل: حالة من الفوضى والضجيج وربما الشجار في جانب الأبناء، وضجيج وصراخ في جانب الأمهات اللاتي سيخرجهن مايجري في جانب الأبناء من صمتهن لتعلو أصواتهن العورة بالنداء والصراخ على الأبناء المتشاجرين او من تخلفوا عن مسايرتهن عن بعد، أو من تركوا أمن الأرصفة الى خطر السير بين وأمام السيارات.      بغض النظر عن الشكوك التي تحيط بصدقية نسبة الدعوة إلى امتناع الأمهات عن الخروج بصحبة ابنائهن الى إحدى الأكاديميات، تتسق هذه الفكرة تماما مع  سعي البعض الى تمييز هذه البلاد بما هو غريب من الفتاوى والأفكار. لم تسقط من الذاكرة بعد فتوى رضاعة الكبير، وتحجيب الرضيعات، ومنع الفتيات من لبس البناطيل أمام آبائهن.