د. فالح العجمي

الخوف من الإفلاس وفوبيا المؤامرة

في خبر نشر عن السيارة الآلية، التي يعتقد أن إنتاجها في طور الإعداد والتجربة، لتنزل إلى الأسواق في غضون خمس سنوات؛ قال المسؤول عن مشروع تلك السيارة بشركة خدمات الإنترنت "جوجل" إن شركته ستطرح سيارتها الآلية، التي تسير بدون سائق في الأسواق على نطاق تجاري، بعد أن وقع حاكم ولاية كاليفورنيا الأمريكية قانوناً يسمح بتسيير السيارات دون سائق في شوارع الولاية.

كما أن شركة "كونتيننتال" الألمانية لصناعة مكونات السيارات، التي تطور تكنولوجيا "أنظمة التحكم الداخلية" تعتزم تقديم نظام للقيادة الآلية على الطرق الحرة المقيدة ومناطق التشييد بحلول عام 2015م. وكذلك تنوي الشركة تقديم نظام للقيادة الآلية في الشوارع البطيئة داخل المدن بحلول عام 2017م، على أن تتيح نظام القيادة الآلية الكامل بنهاية العقد الحالي.

شعرت بالشفقة على تلك المؤسسات الوطنية العملاقة من الشعور بالفراغ، إذا ما شعروا بأن تلك القضية قد سحبت من أيديهم، لأن السيارات لم تعد بحاجة إلى سائق أو سائقة. وذكرتني تلك المفارقة بالنكتة التي تحكي اختراع جهاز يستطيع التنبؤ بالمستقبل البعيدالأخبار التقنية أعلاه ليست مهمة لنا بحد ذاتها؛ فهي مهمة للأمم التي تسعى إلى التقنية، وتتنافس في سبيل الحصول عليها. لكنها ستؤثر تأثيراً جذرياً في هذا المجتمع ذي الخصوصية المتميزة، الذي اختار قضية هامشية في حياة كل المجتمعات، ليجعل منها قضية كونية ومصيرية، هي "قيادة المرأة السيارة". ومع ابتكار هذا الغرب الكافر لهذه التقنيات التي ستفقد "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" و"هيئة كبار العلماء" و"مجلس الشورى"، وكثيرا من الدعاة سلاحاً ما فتئوا يستخدمونه منذ عقدين من الزمن على أقل تقدير؛ يناقشونها في وسائل الإعلام وفي المنتديات وفي جلسات الحوار الوطني، وتتصارع التيارات من أجل إثبات أنها قضية اعتيادية لا تستحق كل ذلك التهويل لدى تيار، وبأنها من أخطر مؤامرات الغرب مع الليبراليين وأنصار الفساد لدى التيار الآخر. ثم يأتي مجلس الشورى ليعيد دراستها، وتقديم التوصيات بشأن ما توصل إليه من ابتكارات تخص ذلك المخلوق وتلك الآلة (ونصف المجلس من أحد التيارين، ونصفه الثاني من التيار الآخر). شعرت بالشفقة على تلك المؤسسات الوطنية العملاقة من الشعور بالفراغ، إذا ما شعروا بأن تلك القضية قد سحبت من أيديهم، لأن السيارات لم تعد بحاجة إلى سائق أو سائقة. وذكرتني تلك المفارقة بالنكتة التي تحكي اختراع جهاز يستطيع التنبؤ بالمستقبل البعيد؛ ففرح به أحد القوميين العرب المتحمسين لذلك التيار، وجلس أمام الجهاز يسأله بلهفة عمن سيحكم الأرض في القرن القادم. فأجابه الجهاز: العرب! جحظت عيناه مستغرباً، وأعاد السؤال، فظهرت الإجابة مرة أخرى: العرب. في هذه المرة سأل: لماذا؟ فرد الجهاز: لأن الأمم الأخرى ستكون قد استوطنت في كواكب أخرى. عودة إلى مؤسساتنا العظيمة .. ماذا تظنون أنهم فاعلون، بعد أن تصبح قضية "قيادة المرأة السيارة" غير مطروحة لانتفاء الحاجة إلى ذلك؟ هل سيلجأون إلى تشريع يمنع المرأة من ركوب تلك الآلة الجنية، بحكم أنها (أي المرأة) معرضة لأن يسيطر عليها الجن، ويدخلون فيها؟ أم سيمنعون هذه السيارات، ويبقون السيارات التي يقودها الرجال هي المهيمنة في شوارعنا؟ وذلك من مبدأ: "قديمك نديمك"؟ لكن هل ستبقى مصانع هذه السيارات في اليابان وكوريا وغيرها قائمة تصنع هذه السيارات الرجالية "لمجتمع الخصوصية"؟ لا .. لا أظن أياً من هذه السيناريوهات واقعياً، مع أن الواقعية في هذا الشرق العجيب نسبية. أما السيناريو الأقرب، فهو أن قضية السينما ستقفز إلى الواجهة، لتصبح قضية العصر. وتبدأ التيارات في التسخين، وطرح الأسئلة والمقارنات واستحلاب الفتوى؛ من مثل: هل السينما من نوع مبارزات الأحباش التي كان السلف الصالح يتمتع بمشاهدتها؟ وهل هي من مؤامرات الغرب على أمة الإسلام؟ وهل إذا سمحنا بها للرجال، ومنعنا عنها النساء ستكون قليلة الأضرار؟ وسيناكفهم التيار الآخر: عداؤكم للسينما هو ما جعل الإقبال على السياحة الداخلية ضعيفاً، وهو ما يجعل البحرين والإمارات تمتلئ بالسعوديين في الإجازات. فأنتم أعداء الفرح البريء والتسلية الإيجابية المحافظة للأسرة السعودية ... إلخ. لكن المؤكد أن الفريق الأول سيدعو في المساجد ألا يوفق الله الغرب لابتكار طرق تجعل البشر يرون السينما عن بعد، لئلا يُنتزع منهم ذلك السلاح الجديد، الذي يقفون به في وجه الغزو الفكري الغربي، وهدم حصانة هذا المجتمع النقي الصالح التقي، الذي لو أقسم على الله لأبره. فيقول التيار الآخر: لماذا إذاً تحاصرونه بسد الذرائع إذا كان بهذه السمات التي ربيتموه عليها؟