أنيسة الشريف مكي

العنف الحضاري

العنف الحضاري واقع مرير تشهده النساء في عالمنا المتحضر للأسف الشديد «المعنِف الزوج» المتحضر المستثقف وليس المثقف، ليست المشكلة في تثقيفه أو عدم تثقيفه، المشكلة في العنف الحديث الذي يمارسه مع زوجته التي دفعت زهرة عمرها وصباها ثمناً لراحته وراحة أبنائه، تقول محدثتي : لم أكن أتوقع أن كل تلك الممارسات العنيفة المبطنة لأكثر من سنوات ليست قليلة كانت تخطيطاً مقصوداً. خلال السنوات الأخيرة الماضية شهدتْ حياتي ظاهرة جديدة من العنف المتحضر لم يعد زوجي يستولي على راتبي، لكنه انقطع  تماماً عن تأمين احتياجات الأسرة، حتى أجرة السائق والخادمة، والهاتف، والكهرباء، والماء، لم يعد يساهم فيها. كان عنفاً أشد إيذاء على النفس وأقسى من جميع أنواع العنف الموروثة الناتجة عن تراكمات تربية فاشلة لقرون طويلة مضت، كان عنفاً حديثاً مبطناً بدفء العواطف الجياشة ومعسول الكلام، عنف مخفي مصدره الرئيس الظلم بكل أشكاله.عنف حضاري وبأسلوب هادئ رزين سلس متدرج في العنف غير الواضح، كنت أحزن للوضع الجديد وأرد اللوم على نائبات الزمان وألتمس الأعذار قد يكون خسر في الأسهم، أو يكون استُغني عنه في العمل، وربما لسبب قاهر أجهله.عنف حضاري وبأسلوب هادئ رزين سلس متدرج في العنف غير الواضح، كنت أحزن للوضع الجديد وأرد اللوم على نائبات الزمان وألتمس الأعذار قد يكون خسر في الأسهم، أو يكون استُغني عنه في العمل، وربما لسبب قاهر أجهله، كان مهذباً وديعاً لا تفارق الابتسامة شفتيه، صامتاً في أكثر الأوقات ، لكن للصمت ضجيجاً كما يقولون، مكالمة هاتفية من معرض أثاث تخبرني أن الأثاث الجديد سيصل بعد ظهر اليوم، وأخرى تفيد بأن الأدوات المنزلية ستصل في نفس الوقت، أيضاً مكالمة من المطار تخبر بوصول الخادمة، كدت أطير من شدة الفرح، كل هذه المفاجآت يخبئها شريك العمر ورفيق الدرب لي، وعذرت تقصيره، ولم أندم على كل ما صرفت حتى أقساط السيارة التي كان متكفلاً بها «بقدرة قادر» علمت منذ فترة تقريباً بعدم وفائه بالتسديد ولم أجرحه وتوليت الأمر ، انتظرته بفارغ الصبر لأضع رأسي على صدره وأبكي وأعتذر فربما لحظة من اللحظات أسأت به الظن، لكنْ خرج ولم يعد،  تزوج أخرى، هذه نهاية الحكاية، تزوج في اليوم الذي يحتفل فيه العالم بيوم المرأة العالمي. اليوم الذي لم يفلح منذ تأسيسه في رفع الظلم عن المرأة ومنحها حقوقها، خاصة حقها في حياة خالية من العنف  والتمييز . لم تكن المشكلة في زواج الرجل، وإنما في العنف الحضاري.