السؤال الفادح
التاريخ الذي نعنيه هنا هو التاريخ المتحرك تاريخ الوعي الإنساني النامي بنمو المعرفة.. فهل تجاوزنا ما كان عليه الوعي ومستوى المعرفة في القرن التاسع عشر؟ ثقافة القرن التاسع عشر كانت ثقافة ذعر معرفي يبحث له عن ملجأ.. وبدلاً من أن يذهب إلى ملاجئ العقل ومرافئ التحديث ذهب إلى كهوف الماضي يبحث فيها عن جبل يعصمه من الطوفان. لم يعد الذعر المهيمن آنذاك هو المهيمن الآن؟.. فقد بزغت قراءات أخرى للتراث لا تقوم على النظرة من زاوية واحدة وبزغت أخرى متوهجة بهموم الحاضر والمستقبل متجاوزة نفق «التوفيقية» الزائفة التي استولت على فكر الماضي حتى الإعاقة. ولكن السؤال يبقى ممضاً لأن هذا المستوى على أهميته في الإضاءة لم يصل إلى الناس... لقد بقي وعي الناس هو هو منذ القرون الأولى.. لماذا يا ترى؟ يضع بعض الكتاب اللوم على المثقفين ناسياً اضطهاد السلطات المتعاقبة في التاريخ لهؤلاء المثقفين وناسياً أن ما أنتجوه من أضواء التنوير إما أنه أُحرق أو غُيّب.. بل إن بعض منتجيه أُحرق حياً.. الأفكار القديمة المنغرسة في نفوس المجتمعات لم تنغرس لأنها صحيحة – وإن كان بعضها كذلك – بل انغرست واكتسبت مناعتها ضد أي نوع من النقد لأنها ادّعت ولا تزال بأنها تنطلق من المقدّس وبهذا فهي ذات عصمة دائمة. في حين أن هذا مجرد ادعاء لأن المقدّس وكونها اجتهادات أو قراءات بشرية شيء آخر.. ولابد للوصول إلى فضاء عقلي وأرض واقعية من زلزلة هذه الأفكار وفصلها عن المقدس وعرضها على وهج النقد العقلاني الذي يفرّق بين ماء النهر وماء البحر..