من الفتاة ذات الألف وجه إلى ميسي
تُعَدُّ ممثلةُ الأفلام الصامتة، فلورنس لورنس، أول نجمة/نجم سينمائية؛ فمع هذه الفتاة الكندية الملقبة بذات الألف وجه (واحد من ألقاب ثلاثة) وُلِدَ دورُ النجم ونظام النجم ((Star System، فما عُرِفَ قبلها نجومٌ ولا نجومية بمفهوميهما وتجلياتهما المعاصرة، إنما شخصيات مشهورة تتمتع بإعجاب الآخرين بها، وتنهض شهرتها على أسس من المناصب والفئات التي تنتمي إليها، مثل القادة السياسيين والعسكريين والشخصيات الدينية كما يوضح جِبْ فَاولزْ في كتابه (Star Struck). فإذا سلمنا جدلاً بأن هؤلاء نجوم بمعايير مجتمعاتهم وأزمنتهم، فإن نجوميتَهم تختلف عن النجومية التي ولدت مع مولد فلورنس لورنس بتخطيط وتدبير من كارل لامل مدير شركة أمريكا للأفلام المستقلة (آي. إم. بي).إن ما حدث في استقبال ليونيل ميسي في الرياض تمتدُّ جذورُه إلى حصار أول نجمة في سانت لويس، وحصاره أخفُّ بكثير من حصار (البيتلز) الذين تولى حراستهم مائة حارس. أتفق مع منتقدي الجهات المسئولة على إخفاقها في تنظيم الاستقبال كما تجلى في الفوضى التي سادت خلاله. لكنني أختلف مع الذين صبوا عبارات التسخيف والتحقير على الذين تجمهروا لرؤيتهإن نجومية فلورنس وغيرها من النجوم اللاحقين ترتبط سببيا ووجوديا باللعب ( (playبحسب فاولز. إنها نجومية اللاعبين؛ نجومية من يلعبون أدواراً في الأفلام والمسلسلات، أو على المسرح، أو يلعبون (يعزفون) على آلات موسيقية، أو يلعبون في ميادين الألعاب الرياضية المتنوعة. اللاعبون هم نجوم هذا الزمان وهم موضوع الإعجاب، والانجذاب وربما الرغبة الحسية؛ حقيقةٌ لا مفر من تقبلها والتعايش معها، خصوصاً من قبل من ينظرون إلى بعض اللعب بعين السخط. قبل أن يختطفها كارل لامل من شركة (بايوغراف) لتلقب (فتاة آي. إم. بي)، وقبل إعلان اسمها، كانت فلورنس تعرف باللقبين (فتاة بايوغراف)، و(الفتاة ذات الألف وجه). تشبه بهذا الممثلات والممثلين الآخرين الذين كانت أسماؤهم تخفى لمنع اشتهارهم وارتفاع أجورهم، أو لأسباب اجتماعية، أو خشية فقدانهم العمل في المسرح الذي كان أعلى شأنا ومكانة من السينما آنذاك. ولكي يتغلب على الشركة المنافسة (باتنت ترست)، اختلق لامل، بميكافيلية واضحة، قصة موت فلورنس في حادث. وبعد تيقنه من ذيوع الإشاعة، نشر تكذيبا لها. ولتأكيد بقائها على قيد الحياة، نظم لها رحلة بالقطار من نيويورك إلى سانت لويس (مارس، 1910)، في ولاية ميزوري، لتلتقي، وباسمها الحقيقي، مع جمهورها في مسرحين. وفي سانت لويس، حدث ما أَعده النموذج الأولي لأحداث مستقبلية مشابهة على مستوى أضخم وأعمق بآثارها ودلالاتها الثقافية والاجتماعية . فقد حاصر الناس فلورنس، ونزعت يدٌ أزاريرَ معطفها، و يدٌ أخرى زينةَ قبعتها، وأخرى ظفرت بقبعتها. وبصعوبة بالغة، وصلت الفتاةُ ذات الألف وجه إلى المسرح الثاني بسلام.كان حدثا مفصليا، فأول نجمة سينمائية تعرضت لحصارٍ هو الأول من نوعه، ونموذج لحصارات في الغيب، وما قد يحدث خلالها من تمزيق أو انتزاع لمقتنيات نجوم، أو شرائها، أو اقتناص النجوم أنفسهم برميات/لقطات من كاميرات المعجبين. لكنه كان صغيرا مقارنةً بحصار فرقة (البيتلز) خلال جولتهم في الولايات المتحدة (1964 ) ، بدءاً باستقبالهم من قبل (4000 إلى10000) فتاة في مطار كيندي، ثم تحولهم إلى سجناء في الفندق، وانتهاءً ببيع عامل في احد الفنادق أغطية المخدات التي توسدوها على جمهور المعجبين، بأن قطعها إلى (160) ألف مربع بمساحة واحد سنتيمتر، وألصقها على بطاقات/شهادات، وباع كل شهادة بدولار بحسب ماترويه باربرا ايْرِنْرَايكْ وأخريات في ورقتهن (Beatlemania).إن ما حدث في استقبال ليونيل ميسي في الرياض تمتدُّ جذورُه إلى حصار أول نجمة في سانت لويس، وحصاره أخفُّ بكثير من حصار (البيتلز) الذين تولى حراستهم مائة حارس. أتفق مع منتقدي الجهات المسئولة على إخفاقها في تنظيم الاستقبال كما تجلى في الفوضى التي سادت خلاله. لكنني أختلف مع الذين صبوا عبارات التسخيف والتحقير على الذين تجمهروا لرؤيته. تمنيت لو أن الإعلام قسّم اهتمامه بالتساوي على انتقاد الفوضى وعلى محاولة استكناه الإعجاب كظاهرة ثقافية اجتماعية بتمكين المعجبين من التحدث عما يعني لهم ميسي ورؤيته والتقاط صور له !