سياسة أوباما في الشرق الأوسط بين الاستمرار والتغيير (1-2)
كانت ولاية أوباما الأولى بمثابة تطبيق حرفي لهذه العقيدة من خلال إصلاح ما أفسده سلفه جورج بوش وإعادة ترميم صورة بلاده دوليا في عدد من الملفات أبرزها الملف الأفغاني والملف العراقي والملف النووي الإيراني.
بعد هذا التوصيف والتقييم لسياسة أوباما الخارجية في ولايته الأولى، السؤال الذي يمكن طرحه هو : هل نتوقع الاستمرار على النهج القديم لسياسة أوباما في الشرق الاوسط خلال الفترة المقبلة أم انتهاج سياسة جديدة بخصوص المواضيع الخارجية أهمها الملف النووي الإيراني والنزاع في سوريا؟أدركت إدارة أوباما أن الفشل الأمريكي في العراق وأفغانستان قد حركا من جديد عقدة هزيمة فتنام في الذاكرة الجمعية الأمريكية، وبالتالي أسدل باراك أوباما الستار على تلك الحرب من خلال انسحاب كافة القوات الأمريكية من العراق وتسليم كافة المسؤوليات إلى السلطات العراقية وبالتالي أنهى قرابة تسع سنوات من التورط العسكري في العراق التي خسرت أمريكا من خلالها خسائر مادية تقدر بأكثر من تريليون دولار ، بالإضافة إلى الخسائر البشرية مقابل تدمير قدرات القوات المسلحة العراقية على ردع إيران دون أن يكون لدى الولايات المتحدة أي خطة واضحة لاستعادة نظام ديموقراطي موال يعيد توازن القوى في مقابل إيران، وبالتالي قدمت أمريكا العراق على طبق من ذهب لإيران التي وسعت الاخيرة أجندتها الإقليمية مستفيدة من الأخطاء السياسية والاستراتيجية التي ارتكبتها إدارة بوش، وهذا أيضا ما حاولت إدارة أوباما أن تطبقه فيما يخص الأزمة الأفغانيه، فبعد مقتل ابن لادن وتفكيك منظمة القاعدة الذي اعتبر الإنجاز الأكبر في إدارته، حيث تمكنوا من تحقيق الهدف الذي وضعه سلفه جورج بوش الإبن نصب عينيه بعد هجمات سبتمبر، فقد أعلن أوباما الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من أفغانستان مع نهاية 2014 وتحويل قيادة العمليات العسكرية إلى القوات الأمنية الأفغانية، وتهدف الإدارة الأمريكية من هذا الانسحاب الى تحويل الحرب من قتال حركة طالبان على يد القوات الأمريكية إلى أيدي الجيش الوطني الأفغاني بحلول عام 2014، إلا أن هذا الانسحاب كما يرى كثير من المحللين يمكن أن يكرر سيناريو الانسحاب السوفيتي عام 1989 فحينها توصلت القيادة السياسية في الاتحاد السوفييتي إلى استنتاج بتحويل الحرب إلى معركة أفغانية داخلية وتسليم السلطة إلى نجيب الله أدى ذلك إلى تفجرالوضع وإدخال البلاد في حرب أهلية استمرت حتى جاءت حركة طالبان في 1996 لتفرض نفوذها على معظم البلاد.أما فيما يخص الملف النووي الإيراني فقد انتهجت إدارة أوباما أسلوب الدبلوماسية واستخدام الأدوات السلمية، وبالتالي أقرت بدعم من مجلس الأمن مجموعة من العقوبات الاقتصادية الشديدة على إيران لحملها على وقف نشاطاتها النووية، إلا أن هذا الأسلوب لاقى الكثير من الانتقادات من قبل الدول الاقليمية خاصة إسرائيل التي ترى أن أوباما لم يتعامل مع الأسلحة النووية الإيرانية بشكل حازم وأن هذه العقوبات لم تردع إيران عن الاستمرار في تطور برنامجها النووي محديه بذلك قرارات المجتمع الدولي. ففي كتاب (Single Roll of the Dice: Obama Diplomacy with Iran) لتريتا بارزي وهو نفسه مؤلف (The Treacherous Alliance) «حلف المصالح المشتركة» ينقل عن مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية الأمريكية يعلن في يوليو 2010 «كان نهجنا الدبلوماسي مع إيران مغامرة برمية : نرد واحدة»، ويضيف بارزي «أن الخيارات الأمريكية الراهنه تحمل في أحشائها ضعفا غير مسبوق مصدره التباين الواضح بين مصالحها ومصالح حلفائها الإقليميين». بعد هذا التوصيف والتقييم لسياسة أوباما الخارجية في ولايته الأولى، السؤال الذي يمكن طرحه هو : هل نتوقع الاستمرار على النهج القديم لسياسة أوباما في الشرق الاوسط خلال الفترة المقبلة أم انتهاج سياسة جديدة بخصوص المواضيع الخارجية أهمها الملف النووي الإيراني والنزاع في سوريا ؟ وكذلك عملية التسويه السياسيه المتعثرة بين الفلسطينيين وإسرائيل خاصة أن الولاية الثانية غالبا تكون أكثر تحررا وغير محكومة بمنطق الجزاء الانتخابي التي تقيد حركة الرئيس في تعاطيه مع ملفات السياسة الخارجية، هذا ما سنقوم بمناقشته في المقال المقبل بإذن الله. كاتب وباحث أكاديمي في جامعة درهام (بريطانيا)