د. مبارك الخالدي

«أداء ما بعد حداثي» اسمه فيليكس

ليس هنالك ما هو أمتع وأجمل ، من وجهة نظري، من وضع رحلة فيليكس بومغارتنر وقفزته داخل سياق فن الأداء ( Performance Art)، فقد كَوَنّا بالفعل أداءً ما بعد حداثي؛ فضاؤه الفضاء اللامتناهي، وجمهوره مئات الملايين من البشر، صعد بهم الى ذرى الإثارة والتوتر والخوف والدهشة والاستمتاع. سأذكر بعض التوصيفات التنظيرية للأداء لنتبين كم منها ينطبق على رحلة وقفزة فيليكس: المؤدي لا يتقمص شخصية معينة كما في المسرح، فنانو الأداء يجعلون أجسامهم وسيرهم الذاتية وخبراتهم الشخصية أساس أعمالهم، الجسد هو الركيزة والموضوع والمحرك في الأداء، الأداء فن فردي، الأداء مجال جديد للبحث العلمي الأكاديمي، الأداء يعتمد على نموذج سابق، أهم ما في أداء السبعينات دفعه بالجسد الى أبعد الحدود، أو حتى تعريضه لأخطار وآلام جسيمة، وأخيرا الجمهور (فن الاداء، تأليف مارفن كارلسون؛ ترجمة د. منى سلام).

 لا استطيع أن أقصي واحدة من الخصائص السابقة ، مُجَادِلاً بأنها لا تنطبق على «قفزة فيليكس». ولضيق الحيز أُركز على بعضها، بادئا بعنصر الجمهور كونه نقطة تقاطع مع عدد منها.  يتميز «أداء فيليكس» عن الاداءات السابقة  بأنه يقع أمام جمهور بعيد وغائب، ما يجعله مشابهاً للفيلم والدراما في طريقة التلقي . ويميزه أيضا أن علاقة المشاهدين به يمازجها  بعض القديم بموضعته إياهم في زمانين ومكانين متباعدين؛ فهم ،في نفس الوقت، في اثينا القرن الخامس قبل الميلاد وفي مدن زمن ما بعد الحداثة في القرن الواحد والعشرين. بكلام آخر، أعادنا أداء فيليكس الى المسرح الإغريقي، حيث كان الإغريقيون يذهبون لمشاهدة تراجيديات سوفوكليس وايسخيلوس ويوريبدس، وهم على معرفة بمواضيعها (الحدوتات) المأخوذة من أساطيرهم .  وكنّا مثلهم نعرف ما سيحدث، وأن فيليكس سيقفز في نهاية المطاف.  ماكنّا نتشوق لرؤيته هو كيف سيقفز، وكيف سيصل الى الأرض , مزقا من لحم متطاير وربما محترق، أو  حيا ومنتصرا.

 يتميز «أداء فيليكس» عن الاداءات السابقة  بأنه يقع أمام جمهور بعيد وغائب، ما يجعله مشابهاً للفيلم والدراما في طريقة التلقي . ويميزه أيضا أن علاقة المشاهدين به يمازجها  بعض القديم بموضعته إياهم في زمانين ومكانين متباعدين؛ فهم ،في نفس الوقت، في اثينا القرن الخامس قبل الميلاد وفي مدن زمن ما بعد الحداثة في القرن الواحد والعشرين.هذا يحيلنا بدوره إلى اعتماد الأداء على نموذج سابق، والنموذج هنا تجربة الأمريكي جوزيف ويليام كيتنغر، ويحيل أيضا إلى اعتماد فناني الأداء على سيرهم وخبراتهم الشخصية. ويكفينا عبءَ التفصيل الإشارةُ الى سيرة فيليكس كممارس للقفز الحر، فأثناء القفزة  وضع خبرته وتجربته على المحك ودفع بجسده إلى اقصى حدود التحمل معرضا حياته للموت، متجاوزا بذلك فناني أداء كانوا يعرفون بالتطرف في اختبار طاقات الجسد التعبيرية وعلى التحمل مثل الفنان الأمريكي  كريس بيردن Chris Burden . اشار إليه كارلسون، ذاكرا اثنين من أعماله. في أدائه (قطعة خمسة ايام في خزانة)، يحبس بيردن نفسه  لخمسة ايام في أحد المتاحف في خزانة (locker) أبعادها (2/2/3 قدما) بعد صيام استمر عدة ايام. وفي أدائه (اطلق/(Shoot أطلق عليه صديقه رصاصة اصابته في ذراعه(شاهد يوتيوب). ومما لا يذكره كارلسون  أن بيردن فعل ذلك لتجسيد مايحدث عندما يطلق شخص النار على شخص آخر ولتوضيح ما يحدث في فيتنام.وفي أداء آخر ؛لم يذكره كارلسون,(إِكارَسْ/Icarus)، يدخل بيردن المكان عارياً وعلى كتفيه لوحين من زجاج، يصب عليهما مساعداه البنزين، ويشعلان النار بهما، فيقفز ليسقط اللوحان ويرتطمان بالأرضية ويتكسران. استلهم بيردن في أدائه هذا قصة إِكَارَسْ في الاسطورة، الذي هوى إلى الأرض أثناء هروبه وأبيه دِيدِلَسْ من كريت بعد أن أذابت الشمس الشمع من جناحيه اللذين صنعهما أبوه. سقط إِكارَسْ لأنه اقترب في طيرانه من الشمس رغم تحذير أبيه.أما إِكارَسْ المعاصر فقد ارتفع بالمنطاد وهوى كالنيزك وهبط على الأرض بمظلته سليما معافى، وأطلق المشاهدون أنفاسهم المحبوسة توترا وخوفا عليه فيما يشبه ما يسميه ارسطو (التطهير/catharsis ) في تنظيره عن التراجيديا/المأساة.هل هذا الكلام مقنع؟