د. فالح العجمي

الدجاج والبيض .. ووهم الغلاء

في كل مرة تتغير فيها أسعار بعض السلع تبدأ ردود الفعل غاضبة أحياناً، أو متهكمة ومستغربة، وتتحول في بعض الأحيان إلى طرائف ونكت مبدعة فيما يتعلق بتلك السلع. كان ذلك عندما ارتفع سعر الوقود – مع أنه كان الأرخص في العالم حتى بعد ارتفاعه – قبل عشرين عاماً، ثم مع ارتفاع سعر المشروبات الغازية قبل سنتين أو ثلاث سنوات، وأخيراً مع الزيادة في أسعار بيع الدجاج ومنتجاته في السوق المحلية.

فهل أي من هذه السلع المذكورة أو غيرها قد ارتفع ارتفاعاً فاحشاً دون أسباب، وأدى إلى إخلال بميزانيات الأسر التي تستهلك بعض تلك السلع بكثرة؟ بالطبع ستكون بعض الأصوات الآن قد تنادت باستهجان ما أقوله هنا، وأني امبريالي أو رأسمالي أسعى لنشر ثقافة ابتزاز الضعفاء وإفراغ ما في جيوبهم. لكن لنكن منطقيين في تعاملنا مع ظروف الحياة بمختلف أصنافها، بما فيها الظروف الاقتصادية. فبعض السلع التي يدخل في إنتاجها مواد أولية متناقصة، تكون عرضة أحياناً لأن تقل في الأسواق، فيؤدي ذلك إلى هلع في إحدى مراحل دورة المنتج؛ فيعمد التجار إلى رفع السعر النهائي، إما رغبة في استغلال الظرف، وزيادة ربحه اعتماداً على تلك المعلومة الشائعة بين الناس، أو لأن الكلفة قد ارتفعت فعلاً، فأدى ذلك إلى رفع أسعار مراحل دورة المنتج واحدة بعد الأخرى.

إن على الأسرة في كل الأحوال أن تتبنى دراسة سياسة الإنفاق بشكل عام (اليومي منه والأسبوعي والشهري والسنوي، بل وربما ما ينفق حتى لمرة واحدة). فإذا كانت أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية الضرورية سترتفع دون شك لأحد الأسباب المذكورة أعلاه، فإن الأسرة قادرة من خلال التوازن في سياسة الإنفاق أن تجري بعض الترشيد في مصروفات كبيرة لا تنظر غالباً الأسر السعودية إلى ما تنفق فيها، وفيها مبالغات كبيرة أكثر مما في زيادة أسعار السلع الاستهلاكية.إن على الأسرة في كل الأحوال أن تتبنى دراسة سياسة الإنفاق بشكل عام (اليومي منه والأسبوعي والشهري والسنوي، بل وربما ما ينفق حتى لمرة واحدة). فإذا كانت أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية الضرورية سترتفع دون شك لأحد الأسباب المذكورة أعلاه، فإن الأسرة قادرة من خلال التوازن في سياسة الإنفاق أن تجري بعض الترشيد في مصروفات كبيرة لا تنظر غالباً الأسر السعودية إلى ما تنفق فيها، وفيها مبالغات كبيرة أكثر مما في زيادة أسعار السلع الاستهلاكية. ومن ذلك أسعار الأراضي والبيوت، وتكاليف الحفلات ومهور الزواج، وأسعار السلع المكلفة كالسيارات، التي يمكن للمرء أن يختار من أنواعها ما يتناسب مع ميزانيته، ويترك له الخيار في التقليل من الضغط على ميزانية الأسرة. فليس من المعقول أن يتباهى المرء بدعوة أعداد كبيرة من الناس في آجال متقاربة، ويولم لهم بأصناف طعام متنوعة وفائضة بشكل كبير عن الحاجة، ثم يشتكي من أن سعر الدجاجة قد ارتفع ريالين أو ثلاثة. ولا من المنطقي أن يبني ملاحق في قسم الرجال خاصة للضيافة، ويكسو أرضياتها بالرخام الفاخر، ويضع في مداخلها المغاسل الفاخرة والكثيرة، والثريات الكبيرة، ثم يشتكي من ضعف الميزانية، التي لا تلاحق ارتفاع تكاليف المعيشة، ولا تغطي ارتفاع فواتير الكهرباء والماء. هل يفاجأ الغربي بنقص ميزانيته في نهاية الشهر، أو ضعف ما يتقاضاه بعد تقاعده عن الوفاء بمتطلباته؟ لا يحدث مثل ذلك عند الغربيين، لأنهم يحسبون ما يحصلون عليه من أجر، ويوزعون ميزانيتهم بناء عليه. كما أنه غير مسموح عندهم لأن يضاف إلى قائمة المصروفات شيء، ما لم يكن يقابله شيء سيأتي في الإيرادات. وهذا ما يجعل أمورهم التخطيطية مستقرة. ويعرفون أن التضخم يؤدي إلى رفع أسعار الأشياء، فلا يتوقعون أن تبقى أسعار الأشياء ثابتة كما عهدوها. أما العربي، فإن التدبير عنده بخل، وحساب الأمور لديه قلة شهامة، وعدم تصديه لمفاجآت الولائم والمصروفات غير المحسوبة نقص في الرجولة. فهل يلزم أن يكون بعض العرب كريمين وفقراء، وأن يكون بعضهم الآخر مدبرين وبخلاء (بميزان القيم العربية)؟ تأتي إلى العربي مصيبة أخرى ناشئة عن ثقافة طموح المساواة، التي يبدو أنها مغروسة في الصحراء العربية؛ فيصرف أحدهم الكثير، من أجل ألا يحس أحد أفراد أسرته بأنهم أقل من غيرهم. وكأن مقدار الصرف هو مجال المقارنة بين الناس، ومن خلاله تصنف الطبقات في المجتمع. ويتبع ذلك بالتأكيد نوع السيارة التي يشتريها، ومستوى المسكن الذي يبنيه أو يشتريه، ومستوى المدرسة التي يدخل أولاده فيها، واتجاه السفر الذي يقصد إليه في الإجازة، بل ونوع الحملة التي يختار الحج من خلالها، وكذلك عدد الأضاحي التي يوصي بذبحها حتى بعد موته .. ويقولون: «غلا الدجاج والبيض» ! إنه مرض في الثقافة قبل أن يكون في السوق.