محمد العصيمي

جلجامش عبدالله جمعة

أخيرا أفرج الأستاذ عبدالله جمعة عن كتابه : «ملحمة جلجامش.. قصيدة من الأدب السومري».. ولو أن كل كتاب حُبس خرج بمثل هذه الأناقة في الشكل والمضمون لطالبت المؤلفين والناشرين بأن يحبسوا الكتب ما وسعهم ذلك حتى تخرج لنا فرحة منتشية مستبشرة. لست من هواة الملاحم وكنت ولا زلت أعتبر (المعلقات) العربية ضربا من أساطير الرفاه اللفظي الذي لا يرقى إلى كسر عظم المشاعر ولا يسيل دمعتها.. ولا يرسلها إلى حيث تسكن رومانسية الشمس ومعاني الألوان في الزهور وريش الطير.لكنني في هذه القراءة الخاصة لملحمة جلجامش، التي ترجمها وصاغها الغاوي عبدالله جمعة، تحملت بسعادة بالغة حالة الاستبطان المرهقة لما خلف السطور في علاقة الإنسان بالفضيلة والرذيلة. تلك العلاقة التي تُرسل من أجلها الرسل وتُنزل الكتب وتُدبج الملاحم الإنسانية لتمارس حق (الفتوى) فيما يعتقد الإنسان جازما وما يرتكب متعمدا أو غافلا أو ناسيا.. أو مصابا بالضعف لأنه أقل من الآلهة والملائكة.لقد أسقطني هذا الكتاب، بحق، في هوتي القديمة (السحيقة): حين كنت أبحث عن حقيقة كل شيء بلا استثناء.. وحين كنت أمضي أول الليل وآخره أحاول تفكيك لغز وجودي وأسبابه وأهدافه.. وإمكانية خلوده. ببساطة كنت ولا أزال أشرب من نفس كأس جلجامش: مترعة بالخير ويسفح منها الشر، بينما أنتظر الموت ولا أريده ولا شيء يمنعه عني!! كل جلجامش مات أو سيموت.. ومن مات دفن لتذرو الرياح صورته. أما روحه فتصعد إلى بارئها في رواية للمؤمنين.. أو تفنى في رواية للملحدين. أين جلجامش سوى في الأثر الذي أودعه وجعه وتفنن عبدالله جمعة في قراءته وتفسيره وتقديمه لمكتبات المثقفين الخاصة؟.. شكرا عبدالله جمعة لفضلك علينا في إثارة وجعنا.. الوجع خير : «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم».