د. مبارك الخالدي

تَوَارِيخُها «بُومَرَنْغَاتْ»

في البدء كانت استراليا، وكان ساكنها الأصلي يسدد إلى الطريدة, أو إلى الخصم , أداته الخشبية المعقوفة ( ( wo-mur-rang, فتصيب الهدف أو لا تصيبه ، وترتد إليه ليتلقفها وهي طائرة أو تسقط بالقرب منه. كما استخدم الأسترالي الأصلي أداته في اللعب والتسلية، لكن من المؤكد انه لم يتنبأ بأن أداته البسيطة قد تدخل ,ذات يوم, في لعبة تنظم لها دورات دولية يتنافس فيها المتنافسون. لم يخطر بباله هذا ، مثلما لم يخطر بباله قبل ذلك أن اللغة الإنجليزية، لغة المحتل المستوطن، سوف تستولي على اسم أداته (1827)، وتحدث تغييرا فيها لتصبح (Boomerang ). غيّر المستوطن اسم الأداة كما غير أسماء الأمكنة أو محاها.

لم تعد الكلمة تشير الى تلك الأداة المعقوفة  التي استخدمها الأسترالي القديم  في الصيد فحسب، فلقد اصبحت لها وظيفة التعبير الاستعاري عن الأقوال والأفعال التي تنطلق من الذات إلى الآخرين  ثم ترتد عليها بما لم تأخذه في  الحسبان من اذى أو ضرر أو دمار.  هذا استخدام لم يتوقعه، مثل مجيء الغرباء تماما.«بُومَرَانْغْ» هي اداة الصيد واللعب و هي القول والفعل(الحدث) الذي يرتد على صاحبه , وهي بتعددها  تتشابه مع الـ(ها) في نهاية (تواريخها) التي أشير بها الى منطقة الخليج، والمنطقة العربية، ومنطقة الشرق الأوسط  بشكل عام. وفي نفس الوقت،   هي الكلمة التي  يمكن استخدامها  مجازيا   لوصف الكثير من الأحداث  الهامة والمفصلية في تاريخ هذه المناطق الثلاث ابتداء من الثمانينات الى الآن على وجه الخصوص.

بكلام أكثر وضوحا، شهدت هذه المناطق قرارات ومواقف وأفعال سياسية ذات تداعيات وتأثيرات اقتصادية واجتماعية سلبية هائلة ليس ثمة ما هو أبلغ من وصفها بـ»بُومَرَنْغَاتْ». فبالفعل هي القرارات والمواقف الـ»بُومَرَنْغَاتْ» التي دارت دورتها وعادت بالمؤذي أو المدمر. والثمانينات هي العقد الذي اتاح فيه   المُناخَ  للتيار الصحوي المتشدد  ليقوى وينتشر وينظم نفسه.بكلام أكثر وضوحا، شهدت هذه المناطق قرارات ومواقف وأفعال سياسية ذات تداعيات وتأثيرات اقتصادية واجتماعية سلبية هائلة ليس ثمة ما هو أبلغ من وصفها بـ»بُومَرَنْغَاتْ». فبالفعل هي القرارات والمواقف الـ»بُومَرَنْغَاتْ» التي دارت دورتها وعادت بالمؤذي أو المدمر. والثمانينات هي العقد الذي اتاح فيه   المُناخَ  للتيار الصحوي المتشدد  ليقوى وينتشر وينظم نفسه، ويبلغ الأمر ذروته في الترويج للمشروع الجهادي في افغانستان، فَتُفْتَحُ المَنافِذُ للشباب الخليجي والعربي  للذهاب زرافات ووحدانا الى أفغانستان. وبعد أن حطت الحرب أوزارها عاد المقاتلون بوجهٍ جهاديٍ أصوليٍ قاعديٍ يدعو الى إقامة الخلافة الإسلامية ، فيشرع يزرع ألغامَه وعبواتِه الناسفةَ ليضعَ مداميكَ ودعائمَ من جثث ودماء لصرح الخلافة الحلم.والثمانينات  هي عقد الحرب العراقية-الإيرانية، الذي أطلقت فيه دول الخليج «بُومَرَانْغ»  الدعم غير المحدود لقادسية صدام، ليرتد باحتلال الكويت، ثم عاصفة الصحراء التي حولت احتلال الكويت، بدوره، الى «بُومَرَانْغْ» يُسْقِطُ العراق في الحصار الاقتصادي الى حين غزوه وإحتلاله في 2003.اللافت أن إعدام صدام «بُومَرَانْغْ» آخر، فما أُرِيدَ به أن يكون انتقاما وشماتة وإهانة للطاغية ، ارتد على أعدائه، فالطاغية الذي لا يختلف كثيرون على أنه كذلك، حدث له ما يشبه الانبعاث كبطل . لم يظهر في مشهد الإعدام سوى وجه صدام ، وما حوله إما مقنعون أو يتحركون في الظلمة كالخفافيش. في تلك اللحظات تعملق الطاغية وتقزموا في نظر الملايين. إن إعدام صدام،  بخطته وتوقيته، وما حصل فيه من تباسق قامة الطاغية، أفضل مثال على الفعل الـ»بُومَرَانغ»، ويزيد أهميته حدوثه أثناء احتلال سببه ارتداد  الـ»بُومَرَانغ» الجهادي الذي صنعته الولايات المتحدة وحلفاؤها وسددته الى الاتحاد السوفييتي ليدور دورته كاملة لينتهي  بالهجمات  التي أطاحت ببرجيها وراح ضحيتها الآلاف من القتلى والجرحى،  واسقط الى جانب ذلك هيبة الولايات المتحدة وأعاد الى الأذهان الهجوم الياباني على بيرل هاربر وزعزعته يقين الأمريكي بالأمان المطلق لبعده عن مناطق النزاعات الساخنة في العالم.هذه ليست النهاية، فلهذه المناطق علاقة بالـ «بُومَرَنْغَاتْ» لا نهاية لها كما يبدو،  فهاهم البعض قد أطلقوا في اتجاه ما يجري في سوريا عددا منها!!