فهد الخالدي

موقف لا ينسى...

تمر بالإنسان مواقف عديدة، منها ما يرسخ في الذهن ويؤثر في النفس سنين طويلة، خاصة تلك المواقف «اللاإنسانية» التي قد تحصل أمامنا وهي قليلة أو نادرة في مجتمعنا المسلم -والحمد لله- وربما تكون في روايتها للآخرين عبرة وموعظة، ومن تلك المواقف ما حدث أمام عيني في أحد أيام العام الدراسي المنصرم..   حينما كنت  في طريق العودة لمنزلي في وقت يتزامن مع خروج الطلبة من مدارسهم، وإذا بسيارة من نوع « ميكرو باص» من تلك  التي تستخدم لنقل الطلاب من وإلى مدارسهم؛ تتوقف فجأة في وسط الطريق الضيق أمام منزل من الواضح أنه لأحد الأسر محدودة الدخل، ثم يفتح الباب الجانبي الأيمن لهذه السيارة ويدفع منه بأحد الأطفال أرضا  أمام منزل أسرته، ثم يقذف حذاء الطفل المسكين ليلاحقه بسرعة هائلة ويرتطم بجسده النحيل، لتنطلق السيارة بعد ذلك وصوت محركها يسمعه من هو على بعد عشرات الأمتار من المكان ..  نزلت من سيارتي واتجهت إلى الطفل المنهمك بالبكاء الشديد وهو ممدّد على «الاسفلت» تحت أشعة الشمس الحارقة، وبذلت ما بوسعي لتهدئته، وهو يتمتم بكلمات لم أفهمها، وفي هذه الأثناء أطلت والدته من باب المنزل على صراخه وهي تردد « حسبي الله ونعم الوكيل..... «، و كما فهمت منها فإن هذا المشهد الدرامي يتكرر كل يوم من قبل السائق، رغم أن طفلها ومن معه هم من ذوي الاحتياجات الخاصة..، وقد حرصت أن أنقل تفاصيل الموقف باختصار تاركا للقارئ الحكم على إنسانية ومسؤولية سائق السيارة ومرافقيه –إن وجدوا- ، لا سيما وأن الموقف يتكرر دائما كما ذكرت الأم، ثم من يضمن أن نفس الموقف لا يحدث لأطفال آخرين سواء كانوا أصحاء أو من ذوي الاحتياجات أو غيرهم. ما نقصده من سرد هذه الحكاية هو إيصال رسالة إلى أصحاب وملاك شركات ومؤسسات النقل المدرسي بأن يتقوا الله بأبنائنا الصغار، وان يعنوا باختيار السائقين المناسبين لهذه المهمة بعيداً عن حسابات الربح والخسارة، ووفق معايير وضوابط مهنية وأخلاقية وتربوية تحكمها عقيدتنا وعاداتنا وتقاليدنا الاجتماعية الأصيلة مهما كلف الأمر من جهد ومال، فالسائق صغير السن الذي لا يستطيع ضبط انفعالاته، والسائق اللامبالي الذي يتعجل إنهاء مهمته بأسرع وقت والسائق المتهور وغيرهم؛ كلهم نماذج لا تستحق ولا ينبغي أن نأمنها أبداً على أطفالنا، وأبناء الناس أمانة بين أيديكم وليسوا بهينين عند آبائهم وأمهاتهم، تماما كما أن أبناءكم هم كذلك عند كل واحد منكم، كما ينبغي على الجهات والإدارات المعنية باختيار مؤسسات النقل المدرسي أن تأخذ بعين الاعتبار حاجة بعض السائقين لبرامج تأهيلية وتوعوية تجعلهم قادرين على فهم طبيعة المرحلة العمرية لكل فئة لا سيما ذوي الحاجة من الطلاب، وتفعيل دور المتابعة الإدارية والتحفيز سلبا وإيجابا والتحقق أيضا من استخدام الوسائل التي تضمن سلامة أبنائنا وتنشئتهم بطرق صحيحة بمنأى عن كل المؤثرات التي قد تكون سبباً في صنع أجيال تعاني من عدم الثقة بالنفس وبالآخرين أو ضعف الشخصية و غيره من المشاعر والصفات التي يتسبب بها مثل هذه المواقف المؤلمة حتى وان كانت نادرة الحدوث والحمد لله.