هل معك حق دائمـًا؟
هذا واقع صعب علينا تقبّله، لكن الفكرة الأصعب، هي هل يوجد عقل أخلاقي؟ أو قواعد أخلاقية يتحكّم فيها العقل؟ أحد الباحثين أجرى تجربة؛ أخضع المتطوعين فيها للإجابة عن سؤال يتعلق بعائلة صدمت كلبها سيارة، فمات الكلب، وكانوا قد سمعوا أن لحم الكلب طيّب، فأكلوه. فهم لم يؤذوا أحدًا، والكلب أصلًا مات، فلن يضره أن يأكلوه، وهو كلبهم فلم يعتدوا على ملك أحد. وقد كان السؤال يتضمن: هل عملوا خطأ عامًا، أو بحق أحد؟ هل كسروا قاعدة أخلاقية؟
هل سنرى اهتمامًا في مؤسسات الحوار المحلية أو الدولية بين الثقافات والأديان بهذا الجانب، الذي يسهم بالتأكيد في تعكير صفو العلاقات بين تلك الثقافات والأديان المختلفة الجذور، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى تحيّزات ظالمة وأحكام مسبقة ليست في مصلحة البشرية، ولا مستقبل العلاقات بين مجتمعاتها؟
والمهم في هذا أنه في كل إجابة عن مثل تلك الأسئلة المتنوّعة والمفتوحة يضفى مجالًا آخر على مصدر القواعد الأخلاقية، بطرح مزيدٍ من الأسئلة عن مجال التعامل معها في عقل الإنسان إلى الدرجة المعقّدة التي لا تصلح في مقال ثقافي. لكن المدهش في تلك المتواليات، أن العقل الواعي لا يتحكّم في أي من تلك القرارات، التي يحكم بها الإنسان على صلاحية أمر ما، أو كونه مقرفًا، أو غريبًا، أو أنه جنحة أو حتى جريمة بحق الإنسانية. كل تلك القرارات يكون مصدرها، أنها تدخل من أجل معالجتها في الدماغ إلى غرف معدّة مسبقًا لمثل تلك المعالجة، ومحشوة في الغالب بأحكام مسبقة؛ سواء كانت قد استقيت من الدين أو الثقافة أو التجارب المفردة. لكنها جميعًا في رفوف يختزنها العقل الباطن (وليس الواعي)، فيصدر الحكم أو رد الفعل مباشرًا وسريعًا ومشابهًا لبقية أفراد الفئة التي تشبعت بتلك التراكمات. وهذا يذكّر بما قاله مرة مارك توين: «بالنسبة لرجل معه مطرقة، فإن كل شيء يشبه المسامير». ففي هذه المقولة تتبلور سلوكيات الناس إزاء ثقافتهم وثقافة الآخرين؛ إذ يصدر المرء حُكمه بالقبول على كل شيء يكون مقبولًا في ثقافته أو منظومته الأخلاقية، ولا بد أن يكون كذلك أيضًا لدى الآخرين. وهو ما يجعل المرء يتوق دائمًا إلى المقارنة بين مجتمعه والمجتمعات الأخرى، بعبارات مثل: عندنا.. وعندهم..، أو بأسئلة استنكارية عما يفعله الآخرون، لأنه لا يتلاءم مع المنظومة المحلية في السلوك أو الطعام أو اللباس أو غيرها. وأذكر في هذا المجال أن أحد الأوروبيين البسطاء، عندما عرف أني من السعودية، وعرف أننا لا نأكل الخنزير، وكان هو صاحب الدعوة إلى العشاء، قال: أوه، أجل إذا ما تأكلون لحم الخنزير المحمّر، فماذا تأكلون؟ فهو لأنه أشهى ما يُطهى في منطقتهم، اعتقد أن الأطعمة الشهية تتوقف على هذا النوع، وأنه لا يمكن أن يوجد لحم محمّر من غير الخنزير. ومثل هذا الشخص الذي يعيش على ثقافة الملاحق، وغرف التفكير المنعزلة يوجد أيضًا لدينا. ومن نماذجه في الشرق العربي من يعتقد أن الغرب فاسد أخلاقيًا، لأنه يحكم على منظومة الأخلاق من خلال المرأة. فما دامت المرأة متحررة لديهم، فإن تلك المجتمعات منحلة أخلاقيًا، لأنها تترك المرأة حرة في إرادتها، وفي لباسها، وفي قراراتها المتعلقة بحياتها. ولم يعلم أولئك السذج أن كثيرًا، بل أغلب النساء الغربيات أكثر حرصًا على أنفسهن وصيانة أجسادهن من الشرقيات، لأنهن يتحمّلن مسؤولية كاملة فيما يحصل لهن بعد أن يتجاوزن سن الرشد. أما في الشرق، فبما أن الأمور لا تتم في العلن، ولا يبدو من المرأة إلا غاية الستر والصلاح، فإن أصحاب الغرف المغلقة في أدمغتهم يظنون أن أولاء هن الجواهر المصونات. فهل سنرى اهتمامًا في مؤسسات الحوار المحلية أو الدولية بين الثقافات والأديان بهذا الجانب، الذي يُسهم بالتأكيد في تعكير صفو العلاقات بين تلك الثقافات والأديان المختلفة الجذور، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى تحيّزات ظالمة وأحكام مسبقة ليست في مصلحة البشرية، ولا مستقبل العلاقات بين مجتمعاتها؟ وهل نفتح أبوابًا بين الغرف المتجاورة في أدمغتنا؟ أظن ذلك يجعل الصورة تكتمل، لئلا نستمر في الاعتقاد بأن لدينا الحق دائمًا!!