مطلق العنزي

صداقة «الفرز الآلي».. المتوحشة..!

من الذي رمى الكثير من المساجين في غياهب الظلمات؟ومن الذي أخذهم من عالم النور والحرية والآمال والأحلام، إلى عالم العتم والقيود والكآبة واليأس؟..الجواب اللامفاجئ هو: الشيطان والنفس الأمارة بالسوء وصديق عزيز حميم لئيم نكور.كثيراً ما تتردد في السجون وفي لحظات الندم عبارة «كنت أظنّ أنه أعز صديق».ولكن الصديق الحميم العزيز أحياناً يضحي بأعز الأصدقاء في سبيل رضا النفس أو خلاصها أو طمعها وحتى رفاهيتها وأطوارها.وكثير من الإشقاء والأصدقاء وقفوا أمام قضاة المحاكم يسفّه بعضهم بعضاً ويشتم بعضهم بعضاً، حينما خلطوا الصداقة بالمصلحة، وتشاركوا في مشروع تجاري أو نحوه.ولأن الصداقة والأخوة (ستر) والمصلحة (عري) متناقضتان متضادتان متناطحتان، فلن يدوم هذا الخلط إلا لمدة تكفي لأن تنضج المصلحة وتشب وتتمرد. وبمرور الأيام يبدأ «الفرز الآلي» بين الصداقة والمصلحة، ثم شيئاً فشيئاً تذوب الصداقة الحميمة (ربما بسبب السخونة الملتهبة) وتذوي وتبدد وتتلاشى، وتبقى المصلحة تمد عناقها الغليظ بين الصديقين، وقد كبرت وتغطرست وتوحشت، فيكتشف أحدهما أن الاتفاق الذي بينهما تم بأحكام الصداقة لا المصلحة.. وحينما تتبخر الصداقة يصبح الاتفاق مصلحياً يعري الآخر من حقوقه لحساب آخر.والمصلحة تنحاز إلى الأقوى عضلات والأكثر جرأة وتهوراً ووقاحة وسلاطة لسان.حينما تتحدث المصلحة تصمت الصداقة وتتوارى خجلاً وحزناً، وهي دموع نواحة..هذه المصلحة متغطرسة وطاغية جبارة، فكم بددت من صداقات عروة وثقى ما كان لها أن تنفصم، وكم شتت من الأسر والعائلات المجتمعة المتراصة كالطود، وحولتها إلى يباب غث سمين. وكم فرقت بين الأشقاء الذين رضعوا من ثدي واحد ونشأوا في كنف قلبين رؤومين، وبددت الإخوان الذين ارتبطوا بدم الأب أو الأم النقي الصافي. وكم أشعلت نيران العقوق بين الأبناء والآباء، حتى غدا الأب دامع العين مكلوم الفؤاد وأبناؤه يجحظونه بنظرات غضب وشرور يتمنى أن يبلعه أديم الأرض قبل أن تطعنه خناجر الأبناء المسمومة. وترآليت عليك، يا صديق المدى، ألا تأبه..وعلى عينك ألا تدمع..هذه نفايات الضجيج.. وتلوثات المخادع..حينما تترجل وحيداً.. وحيداً..تنفس رياح الشمال.. وعب ملء الرئتين رياح النواشط.