مطلق العنزي

ثلاثية «غابة العوشز»..!

يوجد معيار خفيف لطيف لمدى ثقافة العلاقة الاريحية للناس مع الأماكن العامة، وأكثر تعبيراً عن المعيار تبدو ثلاثة هي: الطوابير، ومواقف السيارات، وطاولات الطعام في المجمعات التجارية.

في الطوابير .. «طبيعي جداً» أن ترى «جنكيز خان» قد هبط تواً، فاتحاً هاجماً، فيتجاوز كل الواقفين، وكأنهم ديكورات خشب مسندة، انتظاراً لطلته البهية، ليذهب مباشرة إلى الموظف لإنهاء معاملته.وإذا كان الموظف منظماً شجاعاً يرده إلى حيث آخر الطابور، حيث، أحياناً «يداحم» المناكب، ويزاحم، وكأن هذا العالم قد أعد له وحده وكأن موظفي الأرضي ولدوا خصوصاً لخدمته.وفي مواقف السيارات أيضاً نرى العجب، فيمكن أن تحشر أنت سيارتك ببساطة لأن أحدهم، ومن صنفه كثيرون، لا يتورع أن يوقف سيارته في المنافذ. وكأن بجيبه «صكوك» المواقف، والشوارع والمدينة، وبطاقات سكانها، وهو المتصرف بها كابرا عن كابر.أما المجمعات فهي «ألف حكاية وحكاية». إذ لا تعدم أن ترى في مجمع تجاري الشاه «شهريار» وعقيلته المصونة الهانم «شهرزاد» وأبناؤهما ومواليهما يغادرون، متباهين، يتمايلون كالطواويس، منسحبين من «معركة المائدة»، وقد تركوا خلفهم أكواماً من الطعام على طاولة وبعض طعام ومشروبات مسكوبة على الأرض، ليأتي العمال مرغمي الأنوف، يقضون لحظات عصيبة مديدة ذات كبد للتنظيف. ونحن نتشدق بأننا مسلمون، بينما يندر أن تحدث هذه العنجهية القريبة من الهمجية في بلاد «الصليبيين» و«الكفار» والمجوس.وبعضنا يستر جهله العميم و«غابة العوشز» المشوكة في مخيخه وفراغ الأريحية بالقول أن «هذه مهمة العمال».وهذه حجة دفاعية وعذر واه ستراً لثلاثية الجهل والكسل والبلادة الذهنية.طيب، يا أستاذ شهريار، الفاتح العظيم، لمعارف الجن والإنس، والباتع السر، أليس من الممكن أن تجنح إلى السلام، وتجعل مهمة العمال هذه أقل كبداً وعذاباً، فإن لم تجمع بقايا طعامك وتضعه في السلة المخصصة له، ألا، لطفاً وليس أمراً، تطلب من الهانم وأبنائها أن يأكلوا بشيء من النظام، بحيث لا يبددون الطعام نثراً على الطاولات والأرض.بقليل من النظام نجنب العمال كثيرا من عذابهم واشمئزاز بالغ من سلوكياتنا.*وترحينما خفتت أنوار الشرق. توارت الشمس.. إذ توشحت بومباي البهية مآتم الزمن..وانحنى المارد .. وأومأت الرؤوس غرباً..إذ تستحيل الجغرافيا، إلى سياط.. والجهات تلهب وجوه كرام الغرباء..