محمد العصيمي

شعب الأطفال الكبار !!

المواطن (الطفل) هو الذي يرضع الأم (الدولة)، ويتكئ على عطاياها ومنحها إلى درجة أنه يفقد الحركة والفعل المؤثرين في حياته. في المملكة ـ وهذا أيضا من باب التغليب وليس التعميم ـ الشعب يستند بعقله وقلبه وجسده على ظهر الدولة، حتى أن قياسات مشاركات المواطن في الفعل التنموي تكاد تكون معدومة، إما لأنها لا تذكر أو أنها لا تستحق عناء البحث والتقصي.

وهذه ـ أي طفولة شعبنا ـ مردها إلى أننا لم نرب في الناس ـ منذ بدء تنفيذ خطط التنمية ـ مجموعة من القيم التي لا تستقيم حياة الإنسان ولا يشتد عوده بدونها، بل ربما تربى أبناء مجتمعنا بطريقة مباشرة وغير مباشرة على أنه مجموعة أفراد يتلقون كل شيء : الفكر والتعليم والثقافة والمال، أي كل ما له علاقة بحياتهم ومعيشتهم ومستقبلهم. حرم على الناس الإبداع والابتكار والتفكير الناقد الخلاق فأصبحوا مشغولين باستحلاب ضرع الناقة بدلا من أن يشتغلوا بابتكار نياقهم وحليبهم، لذلك تجد في كل موقف أو أزمة من يصرخ ويجأر : أين الدولة؟ والدولة يزيد حليبها ويغض حسب الظروف والمعطيات السياسية والاقتصادية، وحسب ظروفها ومشكلاتها من داخلها، ولهذا السبب لا تجد أحدا راضيا عما تفعله الدولة، فطفولة المجتمع التي ترهق كاهلها لا تجد لها العذر لو تأخرت عطاياها وتنزل رحماتها. ومن هنا أرجو ألا يكون الوقت متأخرا لنعيد تشخيص علاقة المواطن بأسباب الرفاه والتنمية، ونحدد له مسؤولياته التي يجب أن يتحملها إذا أراد أن يعيش حياة كريمة مستقرة ماديا ومعنويا، وهذا بالمناسبة ليس اختراعا للعجلة، فالفرد في المجتمعات الحديثة إذا لم يتعب على تعليمه وعمله وتنمية مهاراته الشخصية يصبح من المتعطلين الواقفين على أبواب الصدقات والهبات، لذلك ارتفعت قيمة الفرد المنتج مقابل الفرد المستهلك. صار رأس الفرد المنتج في هذه المجتمعات برأس الدولة.