هل يقفُ الصقرُ على الشَّارب؟
للشَّارب في الثقافة الشعبية أهمية بالغة. لذلك تحمل عبارة «طوال الشوارب» دلالات إيجابية، حيث اقترنت تلك العبارة المجازية بالرجولة والشجاعة، كما أوحت لبعضهم بقصائدَ شعبية تمجد «طوال الشوارب». وعند طلب العون ينادي المنادي: «وينكم يا طوال الشوارب»! ولأهمية الشارب يقول أحدهم للآخر متحدّياً: «احلق شنبي إذا حصل كذا أو كذا». أما الشنب في لسان العرب فلا يعني الشارب، وإنما يعني بياض الأسنان وحسنها. وقيل: رقة وعذوبة في الأسنان. هنالك، أيضا، عبارة شعبية دارجة تقول: «يقفُ على شاربه الصقر». ولا أدري لماذا تتداعى إلى ذاكرتي، كلما سمعت ذلك التعبير، صورةُ عمودِ كهرباء على الطريق السريع وقد حطّ عليه صقر،. ولو كان عندي بُعدُ نظر لحلقتُ الشاربَ منذ بدأ ينبت، أي قبل أن يغزوه الشَّعر الأبيض. لكن الحكمة لا تأتي إلا متأخرة.
عندما تكون الجعبة فارغة ينصب الاهتمام على المسائل الشخصية، فيصبح الشّارب والهيلاهوب ومقوّم الأسنان وبقية الصفات الشخصية مادة للكتابة. وأما الأحزمة اللغوية الناسفة فجاهزة بعد أن أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي «وكالة من غير بواب»!
ومما أوحى به مقال الأستاذ العصيمي (ركلة ترجيح) جديدة أقول فيها: «قُلْ لي، رعاكَ الله، يا صاحبي/ هلْ يقفُ الصّقرُ على الشَّاربِ؟/ أهو مجازٌ صاغهُ شاعرٌ/ أمْ أنَّه أُكْذوبةُ الكاذبِ؟/ وهلْ رأيتُمْ ذاكَ أمْ أنَّهُ/ ما ينقلَ الخائبُ للغائبِ/ وهل يقاسُ المرُءُ بالشَّاربِ/ أم بالنُّهَى والمنطقِ الصائبِ؟/ قلْ لي فمنكم نستقي عِلْمَنا/ و»العينُ لا تعلو على الحاجبِ»! يقال: من ألَّفَ فقد استُهدِف! ولا يمكن أن تطرح فكرة ما لا يوجد لها معارض أو مؤيد واحد على الأقل. لكن يقال كذلك: «الأذكياء يناقشون الأفكار، والعوام يتكلمون في الأشخاص» ولا يتكلم في الأشخاص إلا من تخونه اللغة ويخذله المنطق. لكن الكلام في الأشخاص لم يعد حكرا على العوام وحدهم، فقد تجد من الكتّاب من ينأى بعيدا عن مناقشة الأفكار، فيتكلم في الأشخاص. نعم. عندما تكون الجعبة فارغة ينصب الاهتمام على المسائل الشخصية، فيصبح الشّارب والهيلاهوب ومقوّم الأسنان وبقية الصفات الشخصية مادة للكتابة. وأما الأحزمة اللغوية الناسفة فجاهزة بعد أن أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي «وكالة من غير بواب»! وعود على بدء، أقول: ذكرتني تعليقات أخرى على مقال الأستاذ العصيمي بما رواه العلاّمة أبو الفرج بن الجوزي عن المحدّث والفقيه أبي الزناد عبدالله بن ذكران القرشي المدني. (قال عنه الليث: رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب فقه وعلم وشعر وصرف). قال أبو الزناد: «جاء أعرابي إلى المدينة فجالس أهل الفقه ثم تركهم، ثم جالس أصحاب النحو فسمعهم يقولون (نكرة ومعرفة) فقال: يا أعداء الله، يا زنادقة»!! أسوق هذا المثال لأنه لا علاقة لبعض التعليقات بما طرحه الكاتب من أفكار، فهي أشبه ما تكون بتعليق ذلك الأعرابي على ما سمعه من أصحاب النحو.