سالم اليامي

الثورة والعنف في المحروسة

لم يمض وقت طويل على احتفال أبناء الشعب المصري بمرور عام كامل على ما أصبح يعرف بين المصريين وفي العالم، بثورة الخامس والعشرين من يناير2011، إلا ويشاء الله أن تحل بالمصريين فاجعة أليمة وقاسية لم تكن في الحسبان، هي حادثة بورسعيد، أو كارثة اللقاء الكروي بين اثنين من أندية الدوري الممتاز المصري.

لقاء كروي رياضي تحول وبطريقة يصعب فهمها إلى مأساة إنسانية مروعة حصدت أرواح العشرات من المصريين الأبرياء .أناس من المؤكد أنهم جاءوا لحضور المباراة بحثاً عن الفرح والمتعة والبهجة في زمن لم يعد يفرح الإنسان المصري كثيراً حتى الحديث عن الثورة. ثورته التي ضحى بكل شيء تقريبا من اجلها ولم يتذوق شيئا من حلاوتها. ولم يعد خاف على المصريين أو غيرهم، أنه منذ قيام الثورة وهناك تراجع في كثير من مظاهر الحياة في مصر، تراجع خلف احتقانا وكدرا في النفوس، وجاءت حادثة بورسعيد لتزيد من درجة الاحتقان والغضب لدى قطاعات كبيرة من المصريين منهم فئات الشباب، وجماهير الميادين التي تبنت الثورة منذ انطلاقتها، ومنهم الإنسان العادي الذي طالما حلم بغد أفضل. المشهد العام للذي يحدث في المحروسة ببساطة حالة من التصادم والرفض بين الشارع المصري بمختلف مكوناته، وبمختلف مسميات تلك المكونات، وبين القيادة الجديدة القديمة بشقها السلطوي البحت «العسكر» وما يسمون عموماً بالإسلاميين الذين سيطروا حتى الآن على الشق السياسي من السلطة.

أجزم بأن الجدل المثار دائماً حول الهيئة نابع عن غموض آليات عملها، وإحساس شرائح من المجتمع بأن وظائف هذا الجهاز تتداخل وتُزاوج بين السلطة النظامية و القداسة الدينية ليصبح من الصعب مراقبتها ومحاسبتها والتعامل معها وضمان ردة فعل منتسبيها فكل الاحتمالات مفتوحة

في تقديرنا أن كل التوترات التي يشهدها الشارع المصري منذ الخامس والعشرين من فبراير 2011م هي نتاج مستتر للعلاقة غير المستقرة بين هذه الأطراف. لان هناك مشهدين اثنين، الأول مشهد ما قبل الثورة، والثاني مشهد ما بعد الثورة. تطابق المشهدين من عدمه يضعنا ببساطة في مواجهة الحقيقة التي تعيشها المحروسة اليوم. الجزء غير المتطابق في النموذجين هو غياب الرئيس حسني مبارك والدوائر القريبة جداً منه، من صدر المشهد، مع بقاء المكونات الأخرى، بشقيها المادي، والتنظيمي، أي الجيش، والأحزاب السياسية، والهيئات والأنظمة التي تدير شؤون البلاد والعباد، وأدوات تنفيذ السياسيات العامة جميعها تقريباً لم يطرأ عليها أي تغيير. يقابل هذا تفاؤل ربما مبالغ فيه عول عليه الإنسان المصري بمجرد قيام الثورة، وهذا ربما يعود لطبيعة العقل الجمعي المصري والعربي عموماً الميال للتبسيط والثقة المفرطة في المختلف حتى وإن لم يختبر ذلك الجديد المختلف، بعبارات أكثر دقة أنه ليس من المؤكد، أن مصر المحروسة اليوم مختلفة،وأنها قد تخلصت من تأخرها السياسي، و حققت نموا اقتصاديا مرتفعا، ورمت بالحكم المتسلط وأدواته ومؤسساته ورجاله خلف ظهرها. وأنها أصبحت بفعل الثورة، أو ستصبح خلال وقت منظور دولة نموذج للحداثة والحرية. الفعل الذي حققه الإنسان المصري أصبح واقعا. وقطف ثمار ذلك الفعل يحتاج رؤية و وقتا وصبرا. أولى الخطوات في تقديرنا لامتصاص موجة العنف القابلة بكل أسف للتصاعد، وتهيئة مشهد ما بعد الثورة لتحقيق بعض طموحات الناس، السعي إلى إزالة شبح التسلط والدكتاتورية من الذهنية المصرية الجديدة، من ذهنية الشباب، ولعل المعادل الموضوعي لشبح القهر عند الشباب « العسكر» القابضين على السلطة بالنواجذ، وللمراقب ملاحظة حصيفة بمماطلة العسكر في موضوع إلغاء الإحكام العرفية، ثم اللجوء إلى أسلوب مسرحي لا يخلو من المنة والتعالي على المصريين عند إعلان إلغاء ذلك القانون السيئ الذكر. الخطوة الأخرى والضرورية في تحجيم مقدار العنف في الشارع المصري، التقليل من آثار صدمة عناصر الجسم السياسي التقليدي لدى إنسان الشارع وخاصة قطاع الشباب، هذا الجسم بما يملك من جاهزية، وخبرة تاريخية، ودرجة معقولة من التنظيم، افزع شباب الثورة الذين يتمترسون اليوم خلف العنف، عندما لوح لهم بإفراغ فعلهم الثوري من مضمونه إذا ما راح يلعب دور الوصاية و التسلط السياسيين. معضلة الجسم السياسي التقليدي جديرة بان تحل إذا أريد لمصر ديمقراطية حقيقة تكون كالعربة القوية في مقدمة القطار، وهي العربة التي تضم المحرك الذي يمنحها قوة الدفع لجر باقي العربات إلى الأمام، في عالم السياسية ليس هناك وصفات جاهزة وشاملة لعلاج كل المعضلات، والثورات تمنح الثوار الرفض والعنف والراديكالية أحيانا، والمشاركة، والتغيير الحقيقي الذي يزيح مظاهر دكتاتورية الماضي وتسلطه يجعل للتفاهم طريقا وللبناء سبيلا. المحروسة في أزمة، والخروج منها يحتاج كفاحا، وتوافقا على مفاهيم بناء المستقبل، وقبل ذلك وعيا يتراكم عبر الزمن وتحتفي به الأجيال.