حسن السبع

وانشغل البشر.. بتغريدةٍ على تِوِيتر !

قد يكون المثقف ذا مزاج تهكميّ أو مرتاب، فلا يعجبه العجب. ذلك استعداد نفسي لا ينازعه عليه أحد. فلو «تدجَّن» أو تصالح أو انسجم مع السائد لخسر العالم شيئا كان يريد أن يقوله. من حقه، كذلك، أن يرتاب، فهنالك دائما زوايا أخرى يمكن النظر من خلالها للأشياء؛ زوايا قد تتيح له رؤية ما وراء كثير من المظاهر وقراءتها قراءةً واعية لا تحسب الشحمَ «فيمن شحمُهُ ورَمُ». من حقه، أيضا، أن يرتّب البيتَ البشري (نظريا) وفقا لتصوراته، وأن يكون «مشاغبا» يعي ما يقول، ويعرف ما يريد، كيلا تكون المشاغبة من أجل المشاغبة، والتقويض من أجل التقويض. طفت هذه التداعيات على سطح الذاكرة وأنا أتابع الزوبعة التي أثيرت «على هامش الهامش» في ملتقى المثقفين الثاني، حيث يحق للمتابع أن يتساءل: كيف اختُصِر ذلك الملتقى الثري بندواته وبحوثه في تغريدة تتناول أمرا هامشيا؟ أربعة أيام حافلة بندوات عن الخبرات الثقافية العربية والدولية، والتخطيط الثقافي، ودور المرأة الثقافي، وثقافة الطفل، والمكتبات العامة، والجوائز الأدبية، والفن التشكيلي، والتراث الموسيقي والفنون الشعبية، طغت عليها، أو خلَّفتها في الظل، جملةٌ عابرة.. يقال: على قدر الهمة يأتي الهم. لذلك تصبح القضايا المختلف عليها، وطبيعة الأسئلة المثارة،  والسجال الدائر حولها، ترمومترا جيدا لقياس تطور أو تقهقر المناخ الاجتماعي والثقافي.وهكذا انشغل البشر بتغريدة على تويتر! كان يمكن أن تمر العبارة دون أن يلتفت إليها أحد، فلا تعمّر في الذاكرة إلا كما تعمّر فقاعة، لينشغل جمعُ المغردين وكتّاب الزوايا بأوراق وبحوث وتوصيات الملتقى.  هنا أجدني منسجما مع الملاحظة القيّمة التي طرحها الصديق الدكتور سعد البازعي على صفحته في تويتر حول انصراف بعضهم عن القضايا الأساسية التي انعقد الملتقى الثقافي من أجلها، وعدم الانشغال بالأوراق التي طرحها المشاركون في الملتقى إلى شيء هامشي لا يشكل في بيئات ثقافية أخرى أهمية تذكر. يقال: على قدر الهمة يأتي الهم. لذلك تصبح القضايا المختلف عليها، وطبيعة الأسئلة المثارة،  والسجال الدائر حولها، ترمومترا جيدا لقياس تطور أو تقهقر المناخ الاجتماعي والثقافي. نعم، لقد انشغلت الصحافة الورقية ومواقع التواصل الاجتماعي بعبارة طائشة فازدحم الشارع الإلكتروني بالمتفرجين من كتاب الزوايا وعابري السبيل الثقافي، ممن ينتظرون جنازة ليشبعوا فيها لطما. وهكذا وجد بعضهم في ذلك اللغط والتشاتم شكلاً من أشكال التسلية والطرح المريح، بعيدا عن الهموم والتطلعات الثقافية التي تناولها المشاركون في أوراقهم وبحوثهم. مع ذلك، يمكنك أن تلتمس العذر لكل العابرين على رصيف الثقافة، فالثقافة عمل جاد وكدح دائم لا يستطيع غير المثقفين معه صبرا.يذكّرني ذلك الاهتمام بالعرَضي والزائل بسؤال ذكي طرحَتْه الكاتبة آذر نفيسي في كتابها (أن تقرأ لوليتا في طهران) حيث تقول: «كيف لنا أن نقوم بالتدريس كما يجب حينما يكون أقصى اهتمام مسؤولي الجامعة منصبَّا على القابلية التدميرية لخصلة شعر يتيمة قد تطيش من تحت الإيشارب، وليس على كفاءتنا في أداء واجباتنا العلمية». هذا السؤال، وإن كان قد طرح في سياق مأزق ثقافي آخر، وفي ظل ظروف مختلفة، يعكس وضعاً اجتماعيا وثقافيا غريبا يكرّس العرَضيَ والزائل، ويهتم بالشكل لا المضمون. وبهامش الهامش على حساب المتن. وعلى قدر الهمّة يأتي الهم.